الحضور وانفتح الغيب إذ صار مشهودا ولا يتبين تلك الكلمات إلّا اللّه وحده الذي لم يزل غيبا إذ لا يتجلى إلّا يوم القيامة .
ويتبين سبحانه وتعالى كل شئ فلا يخفى عليه شئ سواء كان مشهودا لك يا محمد أم كان غائبا عنك فهو يتبين ما يقع على الأرض اليابسة وما يغوص في البحر بل لا تسقط ورقة من أي شجرة إلّا كانت معلومة له ولا حتى بذرة صغيرة مدفونة في طبقات الأرض ولا شئ يبلله الماء أو جف بعد أن فقد سر الحياة لا شئ إلّا وهو واقع في علم اللّه لأن كل شئ قد كتبه اللّه وأحصاه في كتاب مبين . إذن فالكتاب المبين هو خزينة العلم الإلهى أو الذاكرة الإلهية التي سجل على صفحاتها علمه وها هو يوالى بالوحي الكشف عنه .
ويقول :
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( 61 ) . « 1 »
إذن فكل أعمال العباد مشهودة من اللّه لأن كل أعمالهم وهم أنفسهم كانوا محبوسين في كتاب مبين فلما أراد اللّه أن يظهرهم من الغيب التفت إليهم وقال « كن » فاكتسبوا سر الحياة وقوة الحضور فكيف لا يعلم بهم وهو الذي أخرجهم « بروحه » من الغيب .
ويقول :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( 6 ) . « 2 »
ويقول :
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( 75 ) « 3 » .
يعنى ما من شئ يغيب عنك أي يخرج عن شهودك سواء كان في السماء أو في الأرض فاعلم أنه قد أودع في كتاب مبين أنيط به أن يحفظ كل شئ فهو بمثابة الذاكرة الإلهية التي لا يخفى عليها شئ .
علينا أن نلحظ التأنيث في « غائبة » لأنه إشارة إلى أن كل المخلوقات أو الأشياء إنما هي كلمات اللّه أودعها في كتابه فإن نطق بها صارت مشهودة وإن سكت عنها سلب منها « الروح » وعادت لتغيب . وإلّا فلما ذا لم يقل وما من غائب في السماء والأرض . .
هامش
( 1 ) سورة يونس الآية ( 61 ) .
( 2 ) سورة هود الآية ( 6 ) .
( 3 ) سورة النمل الآية ( 75 ) .