من المؤكد أن ثمة سؤالا لا بدّ أن يتردد في ذهن المتشكك « لئن كان للقرآن كل هذا التأثير الذي تدعيه فلما ذا يظل كثير من الناس على كفرهم به رغم إبلاغهم ، بل إنهم قد حاربوا رسوله حتى الموت » ؟ !
والإجابة ببساطة شديدة هي أن الكافر لا يرضى أن يجلس من القرآن جلسة المستمع المنصت بل إنه يرفض « الرسالة » الموجهة إليه قبل أن يفتحها ليقرأ ما فيها بل يضرب بها عرض الحائط صادرا في هذا عن « الكبرياء » الذي يزين لنفسه إعلان التمرد على « اللّه » وبنفوره من التدخل في شؤون حياته من جانب أي أحد حتى لو كان « الخالق » نفسه لأنه بكل صراحة يريد أن يعيش كما يهوى بلا أوامر أو نواهى دون مزعجات أو منغصات .
هذا « الهوى » هو أساس الكفر فإنه لا يقوم على إعمال الفكر أو التأمل العميق في الكون المشهود ولا ينتج من التدبر الطويل في « رسالة اللّه » بل هو ثمرة « التكبر » التي ينفخ فيها الشيطان حتى « تكبر » في قلب الإنسان فتملأه إلى أن ينفجر - بعد الموت - أشلاء متناثرة في جهنم ، سجن المتكبرين وبئس المصير ! !
لقد جئ بالإنسان إلى الدنيا من أجل « الامتحان » ولذلك فلا بد أن يتعارض مقتضى « الإيمان » مع الشهوات الجامحة والمطامع الفادحة ولما كان أكثر الناس غير مستعدين للتضحية بشهواتهم ومطامعهم لذلك فإنهم يتركون « الإيمان » رغم تحذير العقل ويحاول أدعياء الحكمة منهم أن يصبغوا هذا الاختيار بلون من التعالم الزائف لعلهم يبررون أمام عقولهم نمط حياتهم الكاذبة التي يشعرون في قرارة أنفسهم أنها ستنتهى في الهاوية .
يقول القرآن الكريم واصفا حال الكافرين معه :
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ
( 5 ) . « 1 »
والإعراض نفور باطني في القلب يدفع إلى الابتعاد . فهم بنص الآيات لم يسمعوا ولم ينصتوا وأحسوا بسبب نفورهم أن قلوبهم محاطة بغطاء سميك يحول بينهم وبين الاستماع والإنصات بل في آذانهم ثقل يجعل الكلمات مبهمة غائمة المعنى كما لو كانت أصواتا منعدمة الدلالة ويشعرون أن ثمة حجابا غير مرئى كأنه جدار يفصلهم عن « الرسول » الذي يبسط إليهم يده مقدما رحمة اللّه والنتيجة اعمل يا محمد ما بدا لك فإننا سنمضى في حياتنا كما يحلو لنا فقد حالت الأقدار دون اللقاء أو الاتفاق .
هامش
( 1 ) سورة فصلت الآية ( 3 - 5 ) .