تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
إن وجود هذا العدد من كتّاب الوحي حول الرسول صلى اللّه عليه وسلم بكذب دعوى بلاشير التي لا أساس لها ، ولا يستسيغها عقل سليم . أما زعمه بأن العرب لا يهتمون بالمستقبل فهو من باب البث الاستعماري من قبيل الحرب الباردة ؛ إنه يحاول بعد أن خنقته الأدلة ، أن يؤصل دعوى أرباب نعمته من المستعمرين في الحطّ من العقلية العربية ، واللغة العربية ، فيعود بدعوى الاتكالية والقدرية إلى نبي المسلمين نفسه صلوات اللّه وسلامه عليه وهو سيد العاملين ومشيّد أرقى حضارة في العالمين . ونقول في سياق الرد عليه أيضا ، إذا كان العرب لا يهتمون بالعمل للمستقبل ، ويتركون الأمور تسير هكذا على القدر ، فمن هم الذين ، يا ترى ، قد حفظوا القرآن ، وحافظوا عليه ، وكتبوه ، وجمعوه ، وبثوه في الآفاق ، وعلموه الناس ؟ ومن هم هؤلاء الذين فتحوا الممالك ، وأقاموا المدائن ، وأسسوا دور العلم والعبادة ، وعبّدوا الطرق ، وبنوا المستشفيات ، وأنشئوا الجامعات والأساطيل ، ونشروا العلوم والمعارف ، وأقاموا الحضارة وأرسوا قواعدها على الإيمان باللّه الواحد ، وعلى القرآن الزاخر بالقيم والأخلاق ، وتركوا هذه الذخائر من المخطوطات التي تغطي كل مجالات العلوم والمعارف ؛ وتلك المساجد والقصور في مشارق الأرض ومغاربها ، خير شاهد على فضلهم وتفوقهم وسبقهم ؟ لقد تعلم المسلمون وتهذبوا وتحضروا ، بينما كانت أوروبا لا تزال تضرب في بيداء الجهالة والوحشية والبربرية بجران . هذا ما يقرره المنصفون من الأوربيين أنفسهم . وإن الحضارة التي نعم بها بلاشير وتاه على المسلمين بمعطياتها لم تكن لتبرز إلى الوجود لولا ظهور أمة التوحيد بتعاليم نبي الرحمة . إن محمد صلى اللّه عليه وسلم كان يحسب لكل شئ حسابه ، ويضع كل شيء في موضعه الصحيح ، وإن الإسلام بحملته إنما جاء لتعديل الحاضر الوبيء ، وتهيئة المستقبل الصالح للأمة المؤمنة دينا ودنيا لإنقاذ البشرية كلها . إن أخطاء المترجمين الغربيين ومقدماتهم وتعليقاتهم على هذه الترجمات إنما هي تجسيد حي لموقفهم المنحاز ضد القرآن ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهم إما ، جهلا وإما تحريفا ، يترجمون العبارة القرآنية واللفظ القرآني بألفاظ وعبارات تنحط بالعبارة عن رتبتها البلاغية الإعجازية وتنزل بها إلى مستوى بشري عادي ، أو قريبا منه ، من حيث الأسلوب والمعنى .