الفصل الرابع الأمثال في القرآن
الأمثال من الوسائل القرآنية في إيصال التعاليم الإلهية والدروس الربانية إلى قلوب المخاطبين بالقرآن ، وتجسيد المعاني اللطيفة المراد غرسها في النفوس أو تقريبها للأذهان ، وقبل أن نعرض لكلام الكاتب في هذا الصدد ، نود أن نعرف المثال أو المثل ما هو ! أصل المثل من المثول يعنى الانتصاب والاستواء ؛ والممثل ، المصور على مثال غيره .
يقال مثل الشيء ، أي انتصب أو تصور ؛ ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : " من أحب أن تمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار " « 1 » ، والتمثال الشيء المصور على هيئة مخصوصة ، سمى كذلك لأنه يتمثل للعين أو يمثل شيئا ما ويكون على مثاله ، فهو ليس أصلا ، أو يقال تمثّل كذا أي تصوره في ذهنه ، أو ظهر له على شكل كذا ؛ قال تعالى :
فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
( 17 ) ( مريم : 17 ) أي بدا لها الملاك جبريل عليه السلام كذلك على هذه الصورة البشرية ، ولو جاءها على أصل خلقته الملائكية لما تحملت رؤيته ، وتمثل البيت من الشعر أي أنشده في موقف يشبه الموقف الذي قيل فيه هذا البيت . وامتثل لكذا أي خضع له ، وامتثل مثال فلان ، احتذى حذوه ، والتزم طريقه وسلكها وتبعها فلم يحد عنها « 2 » .
ومثل الشيء صفته قاله الجوهري وقال ابن سيدة وقوله عز وجل :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
( محمد : 15 ) أي صفتها ، وقد تعنى خبرها وحكايتها أو تمثيلها .
ومثل يمثل يعنى زال عن موضعه ، وبمعنى ذهب أيضا ، ومثّل بالرجل يمثل مثلا ومثلة ، كلاهما نكّل به ، وهو المثلة والمثلة بفتح الثاء وتسكينها ؛ وهي في قوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ
( الرعد : 6 ) ومعناها يستعجلونك بالعقاب الذي تهددناهم به وتوعدناهم عليه ولم نعاجلهم به ، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بهم ، وكأن المثل مأخوذ من المثل لأنه إذا شنّع في عقوبته جعله مثلا وعلما .
ومنه مثّل بفلان أي عبث بجثته وشوهها ؛ وفي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " نهى أن يمثّل بالدواب وأن تؤكل الممثول بها " « 3 » . وامتثل منه اقتص ، والمثال القصاص .
والمثال الفراش في الحديث أنه دخل على سعد وفي البيت مثال رث أي فراش
هامش
( 1 ) الترمذي . أدب 13 وهو بلفظ " من سره أن يتمثل له الرجال قياما . . . " الحديث
( 2 ) ومنه شعرا :رباع لها مذ أورق العود عنده * خماشات ذحل ما يراد امتثالهاقاله ذو الرمة في وصف الحمار والأتن [ لسان العرب 11 / 614 ] .
( 3 ) الحديث بتغيير لفظي يسير ابن ماجة - ذبائح وفي مسند أحمد ( 2 ) - 98 - 137 - 156 .