الفصل الأول صيغ القسم في القرآن
يتناول المستشرق ويلش موضوع الأقسام في القرآن وهو من الموضوعات المهمة والحساسة ، وقبل أن نعرض لآرائه ، نقدم نبذة مختصرة للأقسام القرآنية تكون بمثابة القاعدة والمعيار للمناقشة . اهتمت كتب التفسير بهذا الموضوع في الموضع والقرائن المتفرقة التي ذكرت فيها الأقسام ، وقد أفرده الإمام ابن القيم الحنبلي ( ت : 751 ه ) بمؤلف سماه " التبيان في أقسام القرآن " .
وينبغي أن نعرف أن القصد من " القسم " في القرآن هو تحقيق الخبر وتوكيده ، والأقسام تختلف في صيغها ومواضعها في القرآن الكريم ، وكما سنرى فإنها ليست قاصرة على السور القصيرة ولا السورة المنزلة في بداية الوحي . والقسم لا يكون إلا باسم معظم أو بشيء عظّمه الخالق تبارك وتعالى ودل على نفسه به فيكون القسم من ثم تأكيدا للكلام وعقدا للبر والصلة بين الحالف والمحلوف له ، وحرصا من اللّه على هداية خلقه بكل سبيل لأن من حلف لك وهو أقوى منك وأجل وأعظم وهو مالك رقبتك ، ومنه مبتداك ومنتهاك ، فقد عظم قدرك ورفعك فوق مكانتك . وإن في القسم كذلك تنبيه على فضل المقسم به ، وخطر المقسم عليه فقد أقسم اللّه تعالى بنفسه في سبعة مواضع من القرآن ، قوله تعالى :
قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ
( يونس : 53 ) ويونس ليست سورة قصيرة ولا هي من أوائل ما نزل من القرآن وهذا مما يحسن التنبيه عليه لتعلقه بزعم الكاتب ، كما سنرى قريبا ، وقوله :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ
( التغابن : 7 ) وهذه السورة كلها مدنية ؛ والمقسم عليه في السورتين هو البعث أو المعاد ؛ وهو أمر واضح كل الوضوح ، وقوله :
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
( 68 ) ( مريم : 68 ) وهذه السورة مكية ولكنها ليست من أوائل ما نزل من القرآن أيضا ، وهي واضحة من حيث الموضوع الذي هو الحشر والإعادة الذي ينازع فيه الكفار والملاحدة في كل عصر وفي كل مصر ، وقوله تعالى :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
( 65 ) ( النساء : 65 ) وهذه السورة كلها مدنية ، وقوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ