تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
قد يكون مطويا في الكلام معلوما من قرينة الخطاب كما في قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
( مريم : 71 ) . إذ تقديره : " واللّه " . وقد تأتى اللام في الكلام لتدل على القسم كما في :
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
( آل عمران : 186 ) . يتضح من هذا أن اللّه تعالى يقسم إما بذاته لإثبات غرض عظيم الشأن كالبعث والجزاء وإما بإحدى مخلوقاته لعظم قدرها وعظيم فائدتها . وأن اللّه تعالى لم يقسم في القرآن بحياة أحد من عباده إلا بحياة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم وذلك لإظهار فضله وتعريف الناس بقدره عند اللّه تعالى ومكانته لديه عز وجل يقول سبحانه وتعالى :
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 72 ) ( الحجر : 72 ) ، ومعنى لعمرك أي وحياتك وعمرك في هذه الدنيا ، ومعنى السكرة الضلالة والحيرة ، ويعمهون ، أي يترددون عميا لاهين . ومن لطائف القسم قوله تعالى :
وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
( 3 ) ( الضحى : 1 : 3 ) أقسم بآيتين عظيمتين من خلقه وأمعن في مطابقة هذا القسم لواقع عالم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الداخلي فعبر تعالى بالضحى والليل يعنى ببداية النور وطلعة الليل بنور الوحي الذي احتبس ثم انبجس وهو نور الوحي الذي عاد ظهوره للنبي صلى اللّه عليه وسلم بعد فترة واحتباس ، وحيرة والتباس ، حتى قال أعداؤه شامتين ودّع محمدا ربّه ، فأقسم اللّه تعالى بإشراق نور الصبح اللائح بعد ظلمة الليل الدامس ، على نور الوحي الذي عاود النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد انقطاع وفترة . وكما هو واضح فإن أدوات القسم تتنوع بين الواو والفاء والتاء « 1 » وبين صيغ " لا أقسم " ، وأساليب توجيه اللوم وصب الويل والثبور كما أشار إليه الكاتب نفسه . بعد أن أوضحنا موضوع الأقسام القرآنية من الوجهة الإسلامية ، نرى الآن ما ذا يقول المستشرق ويلش فيها ؛ يزعم ويلش أن هذه الأقسام لا تظهر إلا في السور القصار ، والتي نزلت في بدء الوحي ، أو في مرحلة قريبة من هذا التوقيت ، بوجه خاص ، ويرى كذلك أن هذه الأقسام من الغموض بحيث يصعب التوصل إلى معرفة معانيها أو كشف غوامضها وأسرارها ، لهذا غامر الكاتب بالمنهج العلمي فادعى أنها سجع كسجع الكهان الذي كانت العرب تلهج به . ونذكّر القارئ بما سبق أن قلناه سابقا من أن السور التي فيها : أقسام تتنوع في الطول والقصر ، وفي أوقات ومواطن النزول وأنها واضحة المعاني ليس فيها غموض ولا تسجيع ولا شيء البتّة مما يشبه سجع الكهان ، بل ولا يوجد شئ في القرآن كله من هذا النوع ؛ كما أوضحناه في موضعه وقرينته .
هامش
( 1 ) الإتقان 4 / 51 .