يختتم المؤلف كلامه عن الأقسام القرآنية بقوله : " في الحقيقة أن القرآن نفسه يؤكد أن محمدا كان قد اتهم بأنه كاهن (
Sooth Sayar
) ، وهذا يجعلنا نقترح أن معاصريه قد رأوا أن هناك مشابهة بين ما قاله وما قد سمعوه هم من الكهان " « 1 » . ونسأل أين هم هؤلاء القائلين بأن القرآن كهانة وما هي أسماؤهم ومؤهلاتهم ؟ وما ذا عما قاله غيرهم في إعجاز القرآن ومخالفته لمعهود ما يصدر عنه الكهان والرجاز والسجاعون والشعراء والخطباء ؟ - لما ذا اعتمد الكاتب شهادة الطاعنين رغم الجهالة التي تحوطها وتحوطهم ، وأغفل شهادة فحول اللغة والبيان المعاصرين للرسول صلى اللّه عليه وسلم بتبريز القرآن على كل ما عداه مما أنتجته عقول البشر في كل زمان ومكان ؟ ؟ وما ذا عن شهادة هذا الناقد الحبر الوليد بن المغيرة عندما التقى برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسمع منه بعض آيات من القرآن فقال فيما قال : " فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر منى ، لا برجزه ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجن ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، وو اللّه إن لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته " « 2 » . هذا هو قول الناقد العربي البصير ، في القرآن وهو بحق صدق كله .
نعم إن الوليد لما أحس بغضب قومه عاد فقال لهم على ما حكاه القرآن " إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر " ، باللّه عليك هل يستطيع السحرة معاناة الشعر وتدبيج النثر الصالح وهم بمنأى عن الناس ، لا يأنسون إليهم ، بل إلى الشياطين ؟ ولا يكتبون إن هم كتبوا إلا طلاسم وألغازا ، وأحاجى لا تقرأ بل ولا يطلع عليها غيرهم ، فكلام السحرة وتعاويذهم يطلب لها الخلوات والخرائب والمواضع النجسة . وهذه كتب السحرة لا يزال بعضها يتداول إلى اليوم فهل يروق لعاقل أن ينسب شيئا منها إلى القرآن ؟ وهل يمكن لأحد أن يشتبه عليه الوحي الذي جاء به محمد بقول الكاهن أو الساحر ؟ أضف إلى ذلك أن السحرة لا يعملون إلا للتكسب والارتزاق ؛ هذا هو داؤهم ودأبهم وديدنهم ، كما حكاه القرآن عنهم ، وهو بلا شك واقعهم بالأمس واليوم :
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
( 42 ) ( الشعراء : 41 - 42 ) .
إن السحرة يسعون دائما إلى الكسب الحرام وإلى تقويض العمران والتفريق بين الأزواج والخلان ، والتسلط على الأموال والأنفس والثمرات ، فهل وجد واجد عيبا من هذه العيوب أو رذيلة من هذه الرذائل في شخص محمد صلى اللّه عليه وسلم وهل طلب محمد على ما دعا الناس إليه أجرا ؟ وبعد ذلك كله فإن القرآن لا يحتوى إلا على ما يطهر النفوس ويصفى القلوب والضمائر ، ويقوى الإيمان ويدعو إلى التمسك بالفضائل ومكارم الأخلاق .
هامش
( 1 ) دائرة المعارف الإسلامية ص 421 وانظر كتابنا . محمد بين الحقيقة والافتراء في الرد على الكاتب اليهودي الفرنسي مكسيم رودينسون . القاهرة - دار النشر للجامعات 1999 م .
( 2 ) الإتقان 2 / 5 .