تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وقلب بصرك وبصيرتك في القرآن ثم أمعن فيه النظر ثانية وثالثة ، وفكر هل ترى فيه من خلل ، أو تطلع منه على علة أو زلة . ليس جمال القرآن إذا في الأسجاع أو الأوزان التي تمثل القشرة أو الغلاف الخارجي للقرآن فحسب ، وإنما في الروح التي تتخلل ثناياه تخللا طبيعيا لا تكلف فيه « 1 » . إن كل كلمة في القرآن تعرج بروحك إلى الجمال الإلهى الذي انبثقت عنه وتنزلت من عنده ، وتسمو بسرّك إلى ربك ، فتطلع هناك من أقرب الحضرات على مجالس أنوار القدس الأعلى في مملكة الآيات النورانية ذات الجلال الأبدي والكمال السرمدي . إن جمال القرآن جمال روحاني ، ومعرفي لدنّي ، وحسنه حسن إلهي علوي ، يسمو على كل أنواع الجمال ؛ إنه أسمى من الأسجاع ، وأدق من الأوزان الشعرية ، وأروع من المحسنات البديعية ، وأوقع في النفس من فعل القوافي ، وأنصع في الناظرين من الدرر الخوافي . إنه أرق من النسيم ، وآنق من رواء السّوسن ، وأصفى من ماء السماء ، وأنفذ تأثيرا من شذا الريحان ، وأجلى في الأبصار والبصائر من نور البدر التمام ؛ وفوق كل ذلك ودونه ، فإن القرآن يحتوى على ذلك الجمال الإلهى الخالد والسر السرمدي الباقي ، الذي يعانقه ولا يفارقه ، ويلازمه ولا يخاصمه . ولو أن الأسجاع تأتى بهذا الإبداع ، لجاز أن يقاس القرآن بأسجاع خطباء العرب وكهانها ، أو بتخليطات الأنبياء الأدعياء الكذبة كمسيلمة الكذاب ، وكهؤلاء الذين كانوا يقلدون السجاعين ، فيرصفون كلاما طنانا يتوهمون أنه آية في الصنعة وغاية في البدعة وأنه من جنس ما جاء به محمد بن عبد اللّه فما كان لهم إلا الهوان على مر الزمان ، وما كان لكلامهم من حظ غير النسيان ؛ لقد ذهب كل كلامهم الأجوف وبقي القرآن آية في الكلام ، ومعجزة في عالم اللغات ، وإماما في العلوم والآداب ، والأخلاق والمعاملات ، وفي السياسة والاجتماع وهاد لأهل الدنيا إلى الحياة الطيبة لأهل الدنيا الحافلة بالأمن والأمان والقيم الفاضلة الراسخة ، وبالسعادة الدائمة في الحياة الآخرة .
هامش
( 1 ) انظر : للجرجاني دلائل الإعجاز ص 37 .