العدد في الآيات التالية التي اتصل فيها الحديث عن أوصاف جنتين لا جنة واحدة
ذَواتا أَفْنانٍ
فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
مُدْهامَّتانِ
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
؛ فالحديث كله في سورة الرحمن عن جنتين وجنتين دون الجنتين .
ولولا أن اللّه فصّل في وصف الجنتين بما يتناسب مع أوصاف جنة الخلد ، لقلنا أن إحدى الجنتين تكون في الدنيا إذ في هذه الدار جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الخلد ، وهي جنة الرضا ونعيم الحب لذات اللّه والإخلاص في العمل الذي أمر به رب العالمين ، وهناك جنة البرزخ وهكذا ، ولأمر ما ثنّى اللّه تعالى الجنة هنا في قرينة ذكر الرحمن والتذكير بآلائه ونعمائه وأيضا في قرينة الخوف من مقامه :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
( 46 ) والخوف يوصل أصحابه إلى أعلى الدرجات ويتحفهم بجنتين تقابلان الخوف والرجاء في النفس ، والخوف والرجاء هما الجناحان الموصلان إلى حضرة القدس وإلى النعيم المقيم . وليس معنى " مقام ربه " أن اللّه مقاما وموضعا كما للعبد ، وإنما هو مقام طاعته وموضع حرمته .
على أن هناك لطيفة يمكن أن نتعرف بها على السبب الذي من أجله قال اللّه في سورة الرحمن
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
( 46 ) وفي سورة النازعات :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
( 41 ) ( 40 - 41 ) ، نقول ليس السبب في الإفراد هنا والتثنية هناك ، هو مجرد التزام السجع فقط ؛ ولكننا إذا أمعنا النظر في الآيتين وفي السياق الذي ذكرت فيه كل آية ، اتضح لنا السبب ، فآية النازعات أفردت الجنة ، لأن الآية التي قبلها أفردت النار
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
( 39 ) .
أما قوله تعالى :
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
( 44 ) ( الرحمن : 44 ) فإن فيه ما يوحي بالاثنينية فجهنم شئ والحميم الآن ، أي الماء المشتعل ، شئ آخر . وإن كانا من جنس واحد ، والغرض منهما واحد لذلك ناسب أن يقول جنتان وهما أيضا من جنس واحد وذلك للمقابلة بين " حميم ءان " و " جنّتان " .
أضف إلى ذلك ظهور كلمة " زوجان " أو ما في معناها في أغلب آيات السورة