فعل مكي بن أبي طالب الذي يفهم من كلامه أنه يناقش قضية تاريخية تتلخص في معرفة أيهما كان أسبق في الاستخدام اللغوي الحروف أم الحركات ؟ وهو يرجح أن الحروف والحركات لم يسبق أحدهما الآخر في الاستعمال « 1 » . ويبدو لي أن مناقشة الموضوع على هذا النحو تشبه الكلام عن نشأة اللغة في عدم جدواها من ناحية الدرس اللغوي .
أما عبد الوهاب القرطبي فإنه اقتفى أثر ابن جني في مناقشة الموضوع ، واستدل بأدلته « 2 » . وهي معروفة منذ أن تداول الدارسون المحدثون كتاب ( سر صناعة الإعراب ) بعد طبع الجزء الأول منه . لكن عبد الوهاب القرطبي ختم كلامه عن الموضوع بملاحظة دقيقة استدل بها على أن الحركة تحدث مع الحرف . فهو بعد أن نقل ما ذكره ابن جني من مذهب أبي علي الفارسي إلى أن الحركة تحدث مع الحرف ، قال مؤيدا هذا المذهب :
« ومما يبينه أيضا أن الحركات الثلاث إنما عملهن بالفم ، فإذا ضممته حدث الضم ، وإن كسرته حدث الكسر ، ومتى فتحته حدث الفتح ، وفي حال تحريك الحرف بالضم يكون اللافظ به قاطعا للصوت على مخرج الحرف وضاما شفتيه معا في حالة واحدة ، من غير أن يتخلل بينهما زمان محسوس . وكذلك في حال كسر الحرف يكون كاسرا بفمه مع قطع الصوت على مخرج الحرف المكسور . وكذلك في حال الفتح يكون قاطعا للصوت على مخرج الحرف مع فتح فمه من غير فصل بينهما . وهذا دليل على أن الحركة تحدث مع الحرف المتحرك من غير تقدم عليه ولا تأخر عنه » « 3 » .
ولا شك في أن ملاحظة عبد الوهاب القرطبي السابقة صحيحة ودقيقة ، فلو تأملنا حالة أعضاء النطق عند التلفظ بهذه الكلمات : قرب ، وقول ، وقسم . لوجدنا أن شكل أعضاء النطق عند بداية التلفظ يختلف في كل كلمة عنه في الكلمة الأخرى ، على الرغم من أن الكلمات الثلاث تتفق في البدء بصوت القاف . فحين تنطق الكلمة الأولى نجد أن الناطق يضم شفتيه في ذات الوقت الذي يبدأ بنطق صوت القاف ، بينما يفتح شفتيه في الكلمة الثانية ، ويكسر هما في الكلمة الثالثة . وهذا أمر يؤيد ما ذكره عبد الوهاب القرطبي في النص السابق . ولكني أعتقد أن ذلك لا يدل على أن الحركة تحدث مع الحرف بقدر ما يدل على شدة اتصال الحركة بالحرف
هامش
( 1 ) الرعاية ص 77 - 80 . وقد أخذ هذه الفكرة عن مكي كل من : ابن الجزري : التمهيد ص 19 - 20 والقسطلاني : لطائف الإشارات 1 / 186 - 187 .
( 2 ) الموضح 151 و - 151 ظ .
( 3 ) الموضح 151 ظ .