المعالجة والمناقشة :
« يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش هو الجلوس عليه مع التمكن والتميّز ، مستحيل لأن الأدلة القاطعة تنزه اللّه عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه ، سواء أكان مكانا يحلّ منه أم غيره ، وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد للّه قطعا ، لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه ، وأثبت لنفسه الغنى عنهم ، فقال :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 1 » وقال :
هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
« 2 » . فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا « 3 » .
وعلى كل حال منهج السلف يقوم على تنزيه اللّه عن هذه الظواهر المستحيلة ، ويؤمنون بها بالغيب كما ذكرها اللّه ، ويفوضون علم حقائقها إليه ، أما الخلف فيحملون الاستواء على العلو المعنوي بالتدبير من غير معاناة ، ومجيء اللّه على مجيء أمره ، وفوقيته على العلو لا في جهة ، وجنبه على حقه ، ووجهه على ذاته وعينه على عنايته ، ويده على قدرته ، ونفسه على عفويته ، وهكذا يؤولون كل ما ورد من رضى اللّه وحبه وسخطه ، وحيائه ، بحملها على أقرب مجاز ، ويقولون لا يراد من هذه الألفاظ إلا لازمها « 4 » .
ولا بد في الختام من القول : إنّ مسألة المحكم والمتشابه قد سعّرت نار حرب ثقافية وعقيدية بين متكلمين ومحدثين ، وسلف وخلف ، والواقع لو أن العقول بحثت الأمر بأناة ووعي وتقى بعيدا عن نار العصبية لعذر كلّ فريق الآخر ، لأن النصوص محتملة ، ولولا الاحتمال لكانت محكمة قاطعة ، ولما جاز الخلاف في فهمهما . . . وقد ذكرت الحكمة من وجود المحتمل المتشابه في القرآن . . . وهذا لا يمنع من ترجيح رأي على آخر وفق أدوات الترجيح المعتبرة . . . لذا كان علم المحكم والمتشابه ، واحدا من العلوم التي ينبغي للمفسر أن يكون عالما به كي يكون فهمه أقرب للسداد .
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، الآية : ( 11 ) .
( 2 ) سورة فاطر ، الآية : ( 15 ) .
( 3 ) الزرقاني ، مناهل العرفان ، ( 2 / 333 ) .
( 4 ) انظر السيوطي في الإتقان ، ( 2 / 12 ) .