تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢

البلاغة :

في هذه الآية الكريمة جوانب بلاغية ، فيها فنّ طريف من فنونهم يقال له : فن المراجعة وهو أن يحكي المتكلم مراجعة في القول جرت بينه وبين محاور في الحديث أو بين اثنين غيره ، بأوجز عبارة وأبلغ إشارة ، وأرشق محاورة مع عذوبة اللفظ وجزالته ، وسهولة السبك ، انظر إلى هذه القطعة من الكلام التي عدة ألفاظها ثلاث عشرة لفظة كيف جمعت معاني الكلام من الخبر والاستخبار ، والأمر والنهي والوعد والوعيد وتفصيل ذلك : 1 - الخبر في قوله تعالى :
« إِنِّي جاعِلُكَ »
وهو في الحقيقة وعد باستخلافه على الناس . 2 - الاستخبار في ضمن الخبر لأنه فرع عليه إذ الخبر ( بصيرا ) استخبارا بتصوير ما يدل على الاستفهام . 3 - الأمر في قوله :
« وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » .
فإن معناه الطلب لذريته ما وعد به من الاستخلاف فكأنّه قال : رب وافعل ذلك لبعض ذريتي وكل طلب أمر لكنه إذا كان من اللّه سبحانه أوجب حسن الأدب أن يسمّى دعاء ، ولا يطلق عليه لفظ الأمر ، وإن كان أمرا في أصل الوعد . 4 - النهي وهو في ضمن الأمر لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فكأن معناه ولا تحرم بعض ذريتي ذلك . 5 - الوعد تقدم بيانه في الخبر . 6 - الوعيد في قوله :
« لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
فإن حاصل ذلك أن الظالمين من ذريتك لا ينالهم استخلافي وحرمان ذلك غاية الوعيد . ويستشهد بأبيات شعرية لعمر بن أبي ربيعة المخزومي :
بينما ينعتنني أبصرنني * دون قيد الميل يعدو بي الأغر قالت الكبرى : ترى من ذا الفتى ؟ * قالت الوسطى لها : هذا عمر « 1 » قالت الصغرى وقد تيّمتها * قد عرفناه ، وهل يخفى القمر ؟
في هذه الأبيات نكتتان بليغتان تدلان على قوة عارضة الشاعر صاحب الفستق المقشر ، كما يسمون شعره ومعرفته بوضع الكلام مواضعه وهما :
هامش
( 1 ) في رواية : « قالت الكبرى : أتعرفن الفتى ! قالت الوسطى : نعم هذا عمر » والأبيات من البحر الطويل .