والرجم أقصى العقوبات وأشدها فلو كان مشروعا كان أولى بالذّكر .
والثالث : أن قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
يقتضي وجوب الجلد وعمومه لكل الزناة ، وإيجاب الرجم على بعضهم يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وهو غير جائز على مذهبهم .
الردّ على أدلة الخوارج :
الردّ على الأول : أن المراد بالمحصنات في قوله تعالى :
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
الحرائر ، والحرائر نوعان : ثيبات وأبكار ، وحد النوعين على التوزيع الرجم ، وجلد مائة .
ولمّا كان الرجم لا يتنصّف كان العذاب مخصوصا بغير الرجم [ أي مخصوصا بالجلد ] . للدليل العقلي ، وكان الرجم غير مشروع بحق الأرقاء .
والرد على الثاني : بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح فلعلّ المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات وكفى بالسّنة ووظيفتها البيان .
والرد على الثالث : بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن اللفظ العام في القرآن الكريم وإن كان قطعيا في متنه ظني في دلالته ، فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون ، وإن سلمنا أن خبر الآحاد لا يخصص القرآن فلا نسلم أن الرجم ثبت بطريق الآحاد ، بل هو ثابت بالتواتر .
رواه أبو بكر وعمر وعلي رضي اللّه عنهم وجابر وأبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي ، وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، فهو على الأقل متواتر المعنى كشجاعة علي وجود حاتم . والآحاد إنما هي في تفاصيل صورة وخصوصياته ، والخوارج كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنى كالمتواتر لفظا إلا أن انحرافهم عن الصحابة ، وتركهم التردد على علماء المسلمين والرواة منهم أوقعهم في جهالات كثيرة ، ولقد عابوا على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه القول بالرجم وقالوا : ليس في كتاب اللّه فألزمهم بأعداد الركعات [ أي لا يوجد في كتاب اللّه عدد ركعات الصلاة ] ومقادير الزكاة فقالوا ذلك من فعله صلى اللّه عليه وسلّم وفعل المسلمين . فقال عمر : وهذا أيضا كذلك » « 1 » .
هامش
( 1 ) محمد علي السائس ، تفسير آيات الأحكام ، مج ( 2 ) ، ( 3 / 211 ، 212 ) .