راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 )
« 1 » .
الثاني : « قسم هو حوادث تسببت عليها تشريعات أحكام ، وصور تلك الحوادث لا تبيّن مجملا ، ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم ، أو تقييد ، ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها ، مثل حديث عويمر العجلاني الذي نزلت فيه آية اللعان ، ومثل حديث كعب بن عجرة التي نزلت فيه آية :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ . . .
« 2 » الآية . فقد قال كعب : هي لي خاصة ولكم عامة « 3 » ، وهذا القسم لا يفيد البحث فيه إلا زيادة في فهم معنى الآية وتمثيلها لحكمها ، ولا يخشى توهم تخصيص الحكم بتلك الحادثة ، إذ قد اتفق العلماء ، أو كادوا . على أن سبب النزول في مثل هذا لا يخصص ، واتفقوا على أن أصل التشريع أن لا يكون خاصا « 4 » .
الثالث : قسم هو حوادث تكثر أمثالها ولا تختص بشخص واحد ، فتنزل الآية لإعلانها ، وبيان أحكامها ، فكثيرا ما تجد المفسرين وغيرهم يقولون نزلت في كذا وكذا وهم يريدون أن من الأحوال التي تشير إليها تلك الآية تلك الحالة الخاصة ، فكأنهم يريدون التمثيل ، ففي كتاب التفسير من صحيح البخاري أن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « من حلف على يمين صبر « 5 » يقتطع بها مال امرئ لقي اللّه وهو عليه غضبان » فأنزل اللّه تصديق ذلك « 6 » .
ومثله قول اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
« 7 » دخل الأشعث ابن قيس فقال : ما حدثكم أبو عبد الرحمن ؟ قالوا : كذا وكذا ، قال : فيّ أنزلت ، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي . . . إلخ . فابن مسعود جعل الآية عامة ! لأنها جعلها تصديقا للحديث العام ، والأشعث بن قيس ظنها خاصة به ، إذ قال فيّ أنزلت ، بصيغة الحصر . وهذا القسم قد أكثر من ذكره أهل القصص وبعض المفسرين ، مع أن القاعدة عند الأصوليين في ذلك أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ثم لا فائدة في ذكره على أن ذكره قد يوهم
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : ( 104 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 196 ) .
( 3 ) الحديث بطوله أخرجه البخاري ( الحديث : 4517 ) .
( 4 ) خالد عبد الرحمن العك ، أصول التفسير وقواعده ، ص ( 100 ) .
( 5 ) صبر : هنا الصبر الحبس أي من حلف يمينا كاذبة يحبس عليها . وانظر خالد عبد الرحمن العك ، أصول التفسير وقواعده ، ص ( 100 ) .
( 6 ) أخرجه البخاري ( الحديث : 4549 ) .
( 7 ) سورة آل عمران ، الآية : ( 77 ) .