ذلك في عشرين سنة ، قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين » « 1 » .
الحكمة من نزول القرآن منجما :
قد يتساءل الناس ، وحقا وقع السؤال من المشركين ساعة نزول القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقالوا : وهلّا نزل جملة كسائر الكتب ؟
فقال اللّه تعالى ردا على سؤالهم :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل ، فأجابهم اللّه بقوله :
كَذلِكَ
أي أنزلناه مفرّقا
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
« 2 » أي لنقوي به قلبك ، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ؛ ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز ، فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ؛ ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السّلام » « 3 » .
والحق أنّ اللّه تعالى قادر على تنزيل القرآن جملة واحدة ، وقادر على تثبيت النبي صلى اللّه عليه وسلّم على هذه الحال وكل حال . « لكن ليس كل ممكن لازم الوقوع » « 4 » هذا عدا عن القول أنّ نزول القرآن منجما كان لمواكبة الدعوة الإسلامية والتحديات التي تواجهها ، والأسئلة والإشكالات التي كان يواجهها النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، إذ كان القرآن ينزل مسدّدا ، وموضحا ، وموجها ومثبتا ؛ والآيات الكريمة أوضحت المقاصد من نزوله مفرّقا ، قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 )
« 5 » ، وقال أيضا :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 )
« 6 » .
كذلك فإن « في آيات القرآن أجوبة عن أسئلة ؛ فهو سبب من أسباب تفرق النزول ، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ، ولا يتأتى ذلك إلّا فيما أنزل مفرّقا ، وقال ابن فورك « 7 » :
« قيل أنزلت التوراة جملة لأنها نزلت على نبي يقرأ ويكتب - هو موسى - وأنزل القرآن مفرّقا لأنه أنزل على نبي أمي ، وقيل مما ينزل لأجله جملة واحدة أن منه الناسخ والمنسوخ
هامش
( 1 ) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ( 1 / 228 ) .
( 2 ) سورة الفرقان ، الآية : ( 32 ) .
( 3 ) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ( 1 / 231 ) .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) سورة الشعراء ، الآيات : ( 192 - 195 ) .
( 6 ) سورة النحل ، الآية : ( 102 ) .
( 7 ) ابن فورك : أبو بكر بن محمد بن الحسن بن فورك الأديب المتكلم ، الأصولي . ت ( 406 ه ) انظر أنباء الرواة ( 3 / 110 ) .