« وفي إرشاد إبراهيم خليله تأديب لعامة المؤمنين ومنع لهم عن التفكير في كيفية الخلق والتكوين ، فإن هذا مما استأثر اللّه تعالى بعلمه . . ويجب أن نفرق بين مشاهدة إبراهيم عملية إحياء الموتى وبين معرفته كيف يخلق اللّه تعالى الحياة فهذا إلهي ، لا يعلمه أحد إلا اللّه الخالق سبحانه .
فطلب إبراهيم « رؤية كيفية إحياء الموتى طلب للطمأنينة » « 1 » لأن طلب الطمأنينة تنزع إليه القلوب ، وتميل إليه النفوس المؤمنة ، لكن لا يتوقف إيمان العاقلين المؤمنين على المشاهدة العينية .
هنا أذكر يجب ألّا يخطر بالبال مقارنة طلب إبراهيم
« أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » . . .
وبين طلب بني إسرائيل من موسى أنهم لن يؤمنوا حتى يروا اللّه جهرة » . وهناك عدة فروق :
1 - طلب إبراهيم للاطمئنان القلبي لا للقناعة العقلية الإيمانية فهذا حاصل .
2 - إن إبراهيم طلب مشاهدة عملية الإحياء لا كيف يتم الأحياء من حيث دقة التفاصيل .
3 - طلب بني إسرائيل طلب تعجيزي قائم على الهوى ، وتعطيل العقل ، وجعله يعمل في غير ساحته المخصصة له ، لأنه لن يستطيع أن يدرك الإله بالمشاهدة « وهو يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار .
يحاول المراغي أن يقرّب إيماننا بقدرته تعالى على الإحياء دون معرفتنا تفاصيل عملية الإحياء . . بتسليمنا وإيماننا بأمور كثيرة « إيمانا يقينيا ولا نعرف كيفيتها ونود لو نعرفها فهذا « الأثير » ، التلغراف اللاسلكي ينقل أخبار العالم في لحظة ولا نعرف كيفية ذلك ، بل أكثر من ذلك نقل الصور بالتلغراف من الأقطار النائية والقارات البعيدة ، ومثله أصوات المذياع وأصوات التلفزة . . التي تنتشر في جميع الأقطار » « 2 » .
ولو أن المراغي حيا شاهدا لثورة المعلومات الحديثة والاتصالات المعاصرة لضرب الكثير من الأمثلة التي نسلم بها دون معرفتنا بتفاصيل العملية على نحو دقيق ، إنما نتعامل مع النتائج والمشاهدات الحاصلة أمامنا . هذا صنع الإنسان فما بالك بقدرة خالق الإنسان ومن في العالم بأجمعه ، بل بقدرة من خلق كل شيء ، سبحانه وتعالى !
هامش
( 1 ) المراغي ، تفسير المراغي ( 3 / 27 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .