حوّلت العالم برمته إلى حارة صغيرة . . هذا التطور الذي بدأ في بداية هذا القرن ، لكن وتيرة التسارع كانت تزداد وتزداد . .
أمام هذا التغيير حصلت تغيرات فكرية وأسلوبية أثّرت على المؤلفين ، وأثّرت على القارئين معا ، فأصبح من الصعب على قارئنا الحاضر المعاصر مطالعة الكتب القديمة ، تلك الكتب التي كان مؤلفوها يتباهون بما حوته من مختلف العلوم وتنوعات الفنون ، والحق الذي لا بد من قوله : إن تلك التفاسير حوت من الفوائد الكثير الكثير ، ولكن بعضها كان يحتوي على « أقاصيص مجانفة لوجه الصواب ، متنكبة عن حظيرة العقل . . . » « 1 » .
إذا « الزمان هو الحوّل القلّب غيّر آراء الناس في الموسوعات العلمية ، فرأوا أن الكتاب الذي لا يناجيك معناه لدى قراءة لفظه أولى لك ألا تضيّع وقتك في قراءته وكدّ الفكر في الوصول إلى المعمّى من معناه » « 2 » .
أمام دافع التيسير ، وتسهيل المعرفة ، كي تكون سهلة التناول يسيرة الهضم كان المراغي مسراعا إلى هذا المؤلف التفسير ليكون « داني القطوف ، سهل المأخذ يحوي ما تطمئن إليه النفس من تحقيق علمي تدعمه الحجة والبرهان ، وتؤيده التجربة والاختبار ، ويضم إلى آراء مؤلفه آراء أهل الذكر من الباحثين في مختلف الفنون التي ألمح إليها القرآن على نحو ما أثبته العلم في عصرنا » « 3 » .
ووصف تفسيره أنه « ترك الروايات التي أثبتت في كتب التفسير وهي بعيدة عن وجه الحق مجانفة للصواب . . . » « 4 » .
لقد قدم المراغي لتفسيره بمقدمات ، فبعد المقدمة الأولى ( مقدمة الكتاب ) قدم ببحث « طبقات المفسرين » . ودرس طرق رواياتهم ، بدءا من عهد الصحابة ثم في عهد التابعين وطبقة ثالثة تلك التي جمعت بين أقوال الصحابة والتابعين ، ورابعة هي طبقة ابن جرير ، وخامسة سماها « طبقة المفسرين بحذف الأسانيد » وذكر لكل من هذه الطبقات الخمسة رجال وأعلام برزوا فيها وأسهموا في تعميق وتنمية علم التفسير .
ثم تناول عصر المعرفة الإسلامية في العهود العباسية الذي شهد اهتماما اختصاصيا في القرآن فالعلماء تناولوه دارسين ، موضحين من مواقعهم العلمية والمعرفية سواء كانت
هامش
( 1 ) أحمد مصطفى المراغي ، تفسير المراغي ، ط ، دار إحياء التراث العربي ، د . ت ، ( 1 / 3 ) .
( 2 ) تفسير المراغي ، ( 1 / 4 ) .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) المصدر نفسه .