والذي يظهر . . أن أقرب هذه الأقوال كلها قولان إن العموم بمعنى الدهر للقراءة الشّاذة « والعصر ونوائب الدهر » لأن القراءة الشّاذة أقل درجاتها التفسير ، ولأن يشمل بعمومه بقية الأقوال .
وإما عصر الإنسان أي عمره ومدة حياته ، الذي هو محل الكسب والخسران لإشعار ، ولأنه يخصّ العيب في نفسه وموعظة وانتفاعا » « 1 » .
ويستعين مؤلف أضواء البيان بالربط المعنوي بين السورة التي قبلها وهي سورة « التكاثر » التي تتحدث عن مشكلة الإنسان الذي انشغل بجمع المال والتباهي بكثرة النسل دونما التفات إلى دينه ومرضاة ربه ، حتى وجد نفسه في مواجهة الموت والسؤال والحساب عما اقترفه في حياته الدنيا من أمور الخير والشر .
وكذا سورة العصر التي أكدت خسران الإنسان الذي أنكر الإيمان والإسلام في حين كان المؤمنون الآمرون بالمعروف النّاهون عن المنكر ، الصابرون على ما أصابهم من مصائب ، أولئك هم الفائزون الرابحون في هذه الحياة . . .
وكذا قبل ذلك سورة « الهمزة » التي أخبرتنا عن ذاك الذي انهمك بجمع المال ظنا وتوهما أنّ ماله سيوفر له الخلود .
« مجتمع المال وتعداده في حياة الإنسان ، وحياته محدودة ، وليس مخلدا في الدنيا كما أنّ الإيمان وعمل الصالحات مرتبط بحياة الإنسان .
وقوله تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 )
« 2 » .
لفظ الإنسان وإن كان منفردا ، فإن « أل » فيه جعلته للجنس .
وقد بيّن الشنقيطي في دفع إبهام الاضطراب وتقدم التنبيه عليه مرارا فهو شامل للمسلم والكافر إلا من استثنى اللّه تعالى .
و ( إن الإنسان لفي خسر ) : جواب القسم ، والخسر : الغبن . وقيل النقص . وقيل العقوبة ، والهلكة . . . والكل متقارب .
وأطلق الخسران ليعم كل شؤون الحياة ، وجاء بحرف الظرفية ليشعر أن الإنسان مستغرق في الخسران وهو محيط به من كل جهة ، ولو نظرنا إلى أمرين وهما المستثنى والسورة التي قبلها لا تضح هذا العموم ، لأن مفهوم المستثنى يشمل أربعة أمور :
هامش
( 1 ) لتلميذه عطية محمد سالم الشنقيطي ، مج ( 6 ) ، ص ( 136 ، 137 ) .
( 2 ) سورة العصر ، الآية : ( 2 ) .