والثانية : يباح له الشبع . اختارها أبو بكر ، لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقالت له امرأته : اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها نأكله ، فقال :
حتى أسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فأتاه فسأله فقال : « هل عندك غنى يغنيك » ؟ قال : لا ، قال :
« فكلوها » . ولم يفرق « 1 » .
ويدل له أيضا حديث الفجيع العامري « 2 » عنده : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح ، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها . ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز منه الشبع كالمباح ، ويحتمل أن يفرّق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة ، وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال ، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جاز الشبع : لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت إليه الضرورة عن قرب ، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ، ويفضي إلى ضعف يديه وربما أدى ذلك إلى تلفه ، بخلاف التي ليست مستمرة ، فإنها يرجو الغنى عنها بما يحل ، واللّه أعلم . . . » « 3 » .
المسألة الثانية : حد الاضطرار المبيح لأكل الميتة هو الخوف من الهلاك علما أو ظنا .
قال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ : ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة .
. . . وحدّ الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنا ، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت فإن الأكل عند ذلك لا يفيد . . . » .
وقال النووي في شرح المهذّب : الثانية في حد الضرورة .
قال أصحابنا : لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها ، قالوا : ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك ، فإن الأكل حينئذ لا ينفع ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها لأنه غير مفيد ، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي أو عن الركوب وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك » « 4 » .
هل يجب أكل الميتة ونحوها إن خاف الهلاك أو يباح من غير وجوب ؟
« اختلف العلماء في ذلك وأظهر القولين الوجوب لقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في ( الحديث : 3668 ) .
( 2 ) أخرجه أبو داود في ( الحديث : 3669 ) .
( 3 ) محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان ، ( 1 / 85 و 86 و 98 ) .
( 4 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 87 و 88 ) .