ويستفيد صاحب أضواء البيان من آراء السابقين التي تساعد على فهم النص وتضيء المعنى أمام الدارسين ، فقد نقل عن القرطبي عن قتادة والحسن والربيع وابن زيد وعكرمة أن المعنى
« غَيْرَ باغٍ »
أي في أكله فوق حاجته
« وَلا عادٍ »
: بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها » « 1 » .
ويستعين الشنقيطي في توضيح المقصود بنقل عن القرطبي ينقله عن السدي :
( غَيْرَ باغٍ )
: في أكلها شهوة وتلذذا ، ولا عاد : باستيفاء الأكل حدّ الشّبع » « 2 » .
غير أن الشنقيطي المالكي يستعين كثيرا بالقرطبي المالكي في استقصاء الواردة في هذا النص : فينقل عن مجاهد وابن جبير وغيرهما : المعنى : ( غير باغ ) على المسلمين ، ولا عاد عليهم ، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله . . » « 3 » .
قال القرطبي بعدئذ مباشرة : « وهذا صحيح فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد ؛ يقال : بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت ! قال اللّه تعالى :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ
« 4 » .
ويلاحظ أن مؤلف أضواء البيان تبنى فهم القرطبي كونه نقله دون تعليق وخاصة الرأي الثاني .
ويمكن الجمع بين الآراء لأنها غير متعارضة إنما متكاملة ، والنص يسمح بذلك :
ف
« غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ »
تفيد عدم أكله فوق حاجته من غير شهوة ولا تلذذ ، دونما شبع ، غير مرتكب للمعاصي ساعة أكله لما حرّم اللّه في الحالة العادية .
مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة :
قال صاحب أضواء البيان :
المسألة الأولى : أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه ، ويمسك حياته وأجمعوا أيضا على أنه يحرم ما زاد على الشبع ، واختلفوا في نفس الشّبع هل له أن يشبع من الميتة أوليس له مجاوزة ما يسد الرمق ، ويأمن معه الموت .
فذهب مالك - رحمه اللّه - إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها ، وقال في موطّئه :
هامش
( 1 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، مج ( 1 ) ، ( 2 / 236 ) . ط ( 2 ) ، القاهرة ، دار الحديث : ( 1996 م ) .
( 2 ) المصدر نفسه . وانظر أضواء البيان ، ( 1 / 85 ، 86 ) .
( 3 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، مج ( 1 ) ، ( 2 / 236 ) ، ط ( 2 ) ، القاهرة ، دار الحديث : ( 1996 م ) .
( 4 ) سورة النور ، الآية : ( 33 ) .