الفرض لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « وابدأ بمن تعول » « 1 » . وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم ما له فلا يجوز له ذلك ، والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال » « 2 » ولكي يتضح نهج صاحب أضواء البيان في معالجته للمسائل الفقهية يمكن عرض فهمه للحكم الشرعي في أكل الميتة وما يتعلق بها من أحكام المضطر والمكره :
قال تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
« 3 » .
نلاحظ إشارة المؤلف إلى اللفظ العام الوارد في النص وكأن اللفظ يحتاج إلى تفسير .
يقول الشنقيطي : « لم يبين هنا سبب اضطراره ، ولم يبين المراد بالباغي والعادي » « 4 » لذا فإن المؤلف يستقصي الآيات الواردة في الموضوع فيقول : « ولكنه أشار في موضوع آخر إلى سبب الاضطرار المذكور : المخمصة وهي الجوع ، وهو قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ
« 5 » وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم ، وذلك في قوله :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
« 6 » . والمتجانف : المائل ، ومنه قول الأعشى :
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا « 7 »
فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم وهذا ما يفهم منها ، وقال بعض العلماء : الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين ، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام ، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إضافة الطريق ، وقطعها على المسلمين ويلحق بذلك كل سفر في معصية اللّه .
وقال بعض العلماء : إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره وعليه فهو كالتأكيد لقوله
فَمَنِ اضْطُرَّ
. وعلى القول الأول : لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك ما لم يتوبا ، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك وإن لم يتوبا » « 8 » .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في ( الحديث : 2383 ) ، وأخرجه النسائي في ( الحديث : 2542 ) .
( 2 ) محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان ، ( 1 / 51 ، 52 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : ( 173 ) .
( 4 ) محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان ، ( 1 / 85 ) .
( 5 ) سورة المائدة ، الآية : ( 3 ) .
( 6 ) سورة المائدة ، الآية : ( 3 ) .
( 7 ) البيت من البحر الطويل .
( 8 ) محمد الأمين ، أضواء البيان ، ( 1 / 85 ) .