تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 1 » . قال : عبّر في هذه الآية الكريمة ب « من التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه اللّه بعض ماله لا كله ، ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه والذي ينبغي إمساكه [ وهذا هو المجمل ] . ولكنه بيّن في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها ، وذلك كقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
« 2 » . والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفاسير وهو مذهب الجمهور » « 3 » . ومنه قوله تعالى :
حَتَّى عَفَوْا
« 4 » . أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم . ويرى المؤلف أن الإنفاق يجب أن يقترن بالاعتدال ، وبالصواب ، قال تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
« 5 » . فيتعين الوسط بين الأمرين كما بيّنه بقوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
« 6 » ويجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير ، وبين البخل والاقتصاد . . . فالمنع محل الإعطاء مذموم
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
« 7 » . والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا وقد نهى اللّه عنه نبيه صلى اللّه عليه وسلّم
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
. هنا يحاول الشنقيطي إزالة اللبس أو الإشكال الذي قد يقوم في بعض الأذهان كأن يقولوا : « هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية ، على أن اللّه تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا وذلك في قوله :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 8 » . أجاب المؤلف على هذه الإشكالية : « من أن لكل مقام مقالا ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا وذلك إذا كانت على المنفق نفقات واجبة كنفقة الزوجات ونحوها ، فتبرع بالإنفاق في غير واجب ، وترك
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : ( 3 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 219 ) . ( 3 ) محمد الأمين الشنقيطي ، ( 1 / 51 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : ( 95 ) . ( 5 ) سورة الإسراء ، الآية : ( 29 ) . ( 6 ) سورة الفرقان ، الآية : ( 67 ) . ( 7 ) سورة الإسراء ، الآية : ( 29 ) . ( 8 ) سورة الحشر ، الآية : ( 9 ) .