تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
إذا نستطيع أن نلخص رأي أبي إسحاق الأسفراييني ، أن العرب لم تستخدم الكلمة على حقيقتها التي وضعت لأجله ابتداء لفترة من الزمن ، ثم استعملت الكلمة بعد فترة من الزمن لغير ما استعملت له ابتداء ، إنما سمّت العرب بهذه الكلمة حيوانا ما باسم الحمار ثم وصفت رجلا ما باسم البليد في الوقت نفسه » « 1 » . وأجاب السيوطي على حجج الأسفراييني : بالتسليم بأسبقية الحقيقة على المجاز استعمالا غير أن التاريخ لم يحفظ لنا مثل هذه النقلات اللغوية ، وعدم حفظ التاريخ لا يدل على عدم التقديم والتأخير . بيد أن السيوطي لم يسلم للأسفراييني بقوله : إن العرب وضعت الحقيقة والمجاز وضعا واحدا . بل المؤكد أن العرب أول ما وضعت اسم الأسد لعين البهيمة المعروفة ، ولم تضع الأسد اسم عين للتعبير عن الرجل الشجاع ، إنما اسم العين للرجل هو الإنسان « ولكن العرب سمت الإنسان أسدا لمشابهته الأسد في معنى الشجاعة » « 2 » . ولكن المرء يتساءل : منذ متى عرفت العرب الأسد . . . ومنذ متى اكتشفت العرب صفة الشجاعة عند الأسد ؟ ومتى اكتشفت صفة الشجاعة عند إنسان ما حتى سمته العرب أسدا ؟ الشجاعة موجودة بوجود الإنسان « معنى ومفهوما » . ظني أن الإنسان منذ رأى الأسود حكم عليها بالشجاعة ، . . . ومنذ وجدت الإنسانية وجدت معها صفاتها البلادة ، الشجاعة ، الكرم . . الخ . من ذلك يظهر أن الخلاف اصطلاحي وإن لم يكن كليا فهو جزئي على الأقل . لذا قال السيوطي : « فإذا ثبت أن الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساما معقولا إلى هذين النوعين فسمّينا أحدهما حقيقة ، والآخر مجازا ، فإن أنكر المعنى فقد جحد الضرورة ، وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعاني » « 3 » . مع التذكير أن الغزالي في المنخول ، وإمام الحرمين ( في التلخيص ) أنهما لا يظنان الأسفراييني يقول ما نسب إليه في موضوع الحقيقة والمجاز » وذلك لعلو قدره في هذا العلم . وقال التاج السبكي في شرح منهاج الأصول : « نقلت من خط ابن الصلاح أن أبا
هامش
( 1 ) السيوطي ، المزهر ( 1 / 365 ) والكلام نقله عن أبي إسحاق الأسفراييني . ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) السيوطي ، المزهر ، ( 1 / 366 ) .