« وعمدتنا في ذلك النقل المتواتر عن العرب ؛ لأنهم يقولون : استوى فلان على متن الطريق ، ولا متن لها ، وفلان على جناح السفر ، ولا جناح للسفر ، وشابت لمّة الليل ، وقامت الحرب على ساق ، وهذه كلها مجازات ، ومنكر المجاز في اللغة جاحد للضرورة ومبطل محاسن لغة العرب » « 1 » .
قال امرؤ القيس [ في معلقته ] :
فقلت له لما تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل « 2 »
وليس لليل صلب ولا أرداف . . . وكذلك سموا الرجل الشجاع أسدا والكريم العالم بحرا والبليد حمارا لمقابلة ما بينه وبين الحمار في معنى البلادة ، والحمار حقيقة في البهيمة المعلومة . وكذلك الأسد حقيقة في البهيمة ، ولكنه نقل إلى هذه المستعارات تجوّزا . . . » « 3 » .
ويعرض السيوطي أدلة الأستاذ الأسفراييني الذي نفى وجود المجاز في كلام العرب :
« وعمدة الأستاذ أن حدّ المجاز عند مثبتيه أن كلّ كلام تجوز به عن موضوعه الأصلي إلى غير موضوعه الأصلي لنوع مقارنة بينهما في الذات أو في المعنى : أما المقارنة في المعنى فكوصف الشجاعة والبلادة وأما في الذات كتسميته المطر سماء ، وتسميته الفضلة غائطا ، وعذرة ، والعذرة : فناء الدار ، والغائط : الموضع المطمئن من الأرض ، كانوا يرتادونه عند قضاء الحاجة فلما كثر ذلك نقل الاسم إلى الفضلة ، وهذا يستدعي منقولا عنه متقدما ومنقولا إليه متأخرا ، وليس في لغة العرب تقديم وتأخير ، بل كلّ ما قدّر أن العرب قد نطقت فيه بالحقيقة فقد نطقت فيه بالمجاز ، لأن الأسماء لا تدل على مدلولاتها لذاتها ، إذ لا مناسبة بين الاسم والمسمّى ، ولذلك يجوز اختلافها باختلاف الأمم ، ويجوز تغييرها ، والثوب يسمّى في لغة العرب باسم ، وفي لغة العجم باسم آخر ، ولو سمي الثوب فرسا ، والفرس ثوبا ما كان ذلك مستحيلا ! بخلاف الأدلة العقلية ، فإنها تدلّ لذواتها ، ولا يجوز اختلافها ، أما اللغة فإنها تدلّ بوضع واصطلاح ، والعرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد ، فجعل هذه حقيقة وهذا مجاز ضرب من التحكم ، فإن اسم السّبع وضع للأسد كما وضع للرجل الشجاع » « 4 » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه .
( 2 ) البيت من البحر الطويل ، والكلكل : من الفرس ما بين مخرمة إلى ما مسّ الأرض منه إذا ربض .
والبيت في صفة الليل .
( 3 ) السيوطي ، المزهر ، ( 1 / 364 ، 365 ) .
( 4 ) السيوطي ، المزهر ( 1 / 365 ) والكلام نقله عن أبي إسحاق الأسفراييني .