تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وأشار الشاطبي إلى أن ذلك قد وجد في القرآن « 1 » . ويمكن أن نضرب مثلا مأخوذا من موافقات الشاطبي ساقه القاسمي ، وهذا المثل فيه تفسير باطني أريد منه الباطن ، أو يمكن أن يراد منه الباطن لتوافر الشرطين اللذين ذكرناهما قبل قليل ، وهذا ما ذكره سهل بن عبد اللّه يعدّ من باطن القرآن أو من إيحاءاته الإشارية وذلك عند قوله تعالى :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 2 » قال سهل : أندادا « أي أضدادا » . قال : « وأكبر الأنداد النّفس الأمارة بالسوء الطواعة إلى حظوظها ومنهيها بغير هدى من اللّه » « 3 » وهذا يشير إلى أن النفس الأمارة داخلة تحت عموم الأنداد حتى لو فصل [ أي النص القرآني ] لكان المعنى فلا تجعلوا للّه أندادا : لا صنما ولا شيطانا ، ولا النفس ولا كذا ، وهذا مشكل الظاهر جدا إذا كان مساق الآية فيها يدل على أن الأنداد الأصنام أو غيرها كانوا يعبدون ولم يكونوا يعبدون أنفسهم ، ولا يتخذونها أربابا ولكن له وجه جار على الصحة ، وذلك أنه لم يقل إن هذا هو تفسير الآية ، ولكن أتى بما هو ندّ في الاعتبار الشرعي الذي شهد له القرآن من جهتين : أحدهما : إن الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار فيجريه له فيما لم تنزل فيه لأنه يجامعه في القصد أو يقاربه لأن حقيقة النّد أنه المضاد لندّه الجاري على مناقضته والنفس الأمارة هذا شأنها لأنها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها ، لاهية أو صادة عن مراعاة حقوق خالقها ، وهذا هو الذي يغني به النّد في ندّه لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه وشاهد صحة هذا الاعتبار قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 4 » وهم لم يعبدوهم من دون اللّه ولكن ائتمروا بأوامرهم وانتهوا عمّا نهوهم عنه كيف كان مما حرّموا عليهم حرموه ، وما أباحوا لهم حللوه ، فقال اللّه تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
. والثانية : أن الآية ، وإن نزلت في أهل الأصنام فإن لأهل الإسلام فيها نظرا بالنسبة إليهم ، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال لبعض من توسّع في الدنيا من أهل الإيمان : أين تذهب بكم هذه الآية
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
« 5 » . وكان هو يعتبر نفسه بها .
هامش
( 1 ) راجع القاسمي ، محاسن التأويل ، مج ( 1 ) ، ص ( 51 ، 52 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 22 ) . ( 3 ) القاسمي ، محاسن التأويل ، مج ( 1 ) ، ص ( 52 ) . وانظر سهل التستري ، في تفسير القرآن العظيم ، ص ( 19 ) وانظر الشاطبي ، ( 3 / 397 ) . ( 4 ) سورة التوبة ، الآية : ( 31 ) . ( 5 ) سورة الأحقاف ، الآية : ( 20 ) .