والخلاصة من ذلك أن الشاطبي لا يوافق على التوسع في البحث عن العلوم الكونية والادعاء أن العلوم بالجملة موجودة في القرآن أو أشار إليها .
ويرد من استدل بقوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 1 » .
بقوله : « المقصود في البيان لكل شيء من أحوال التكليف والتعبد » « 2 » .
ويقول د . عبد اللّه دراز في تعليقاته على موافقات الشاطبي حول تقرير القرآن أو عدم تقريره للعلوم الكونية أو تقرير واحد منها : « كونه لم يقصد فيه تقرير شيء من هذه العلوم الكونية ظاهر لأنه ليس بصدد ذلك . أما كونه لا يجيء في طريق دلائله على التوحيد ما ينبني عليه التوسع في إدراكها وإتقان معرفتها إذا لم يكن معروفا عند العرب فهو محل نظر » « 3 » .
ويرد ابن عاشور على الشاطبي من كون القرآن لم يخاطبهم إلّا بعلوم أو معلومات يمتلكون أساسها بقوله تعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
« 4 » .
ومن جهة ثانية : إن مقاصد القرآن راجعة إلى عموم الدعوة ، وهو معجزة باقية فلا بد أن يكون فيه ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة .
ومن ناحية ثالثة : فإن السلف قالوا إن القرآن لا تنقضي عجائبه يعنون معانيه ، ولو كان كما قال الشاطبي لانقضت عجائبه بانحصار أنواع معانيه .
ومن ناحية رابعة : فإن من تمام إعجازه أن يتضمن من المعاني مع إيجاز لفظه ما لم تف به الأسفار المتكاثرة .
ومن ناحية خامسة : إن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء لا يقضي إلّا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لديهم ، فأما ما زاد على المعاني الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام ، وتحجب عنه أقوام ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .
ومن ناحية سادسة : إن عدم تكلم السلف عليها [ على العلوم الكونية ] إن كان فيما ليس
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية : ( 89 ) .
( 2 ) أبو إسحاق الشاطبي ، الموافقات ، ( 2 / 80 ) .
( 3 ) انظر تعليق د . عبد اللّه دراز على الموافقات ، ( 2 / 80 ) .
( 4 ) سورة هود ، الآية : ( 49 ) .