تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
فالصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه ، وما أودع فيه ، ولم يبلغنا أنه تكلّم أحد منهم من هذا المدّعى سوى ما تقدّم » « 1 » . يشير الشاطبي بذلك إلى قوله في المسألة أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق ، واتصاف بمحاسن الشيم ، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه ، وأبطلت ما هو باطل وبينت منافع ما ينتفع من ذلك ومضار ما يضر منه » . ويريد الشاطبي من ذلك : أن القرآن لا يجب أن نتجاوز بمعانيه الحد ونأخذ منه علوما لا تعرفها العرب ، لأن القرآن نزل على العرب الفصحاء وفهموه فهما شاملا بجملتهم إن لم نقل بمفردهم . أما العلوم التي كانت عند العرب فقد أشار إليها القرآن ، ومن علوم العرب : « علم النجوم ، وما يختص بها من الاهتداء في البر والبحر ، واختلاف الأزمان ، باختلاف سيرها وتعرف منازل سير النيّرين ، وما يتعلق بهذا المعنى « 2 » ، وهو معنى مقرر أثناء القرآن في مواضع كثيرة كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
« 3 » . وكقوله سبحانه تعالى :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 )
« 4 » .
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ
« 5 » . وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 )
« 6 » . وهناك آيات أخر . ويرى الشاطبي « ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر [ أي خوض من عرب الصحابة والتابعين في مسائل علوم كونية غير موجودة لديهم أصلا ] لبلغنا منه ما يدلّنا على أصل المسألة ، إلّا أن ذلك لم يكن مدلّ على أنه غير موجود عندهم ، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا . نعم تضمن علوما هي من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولوا الألباب ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره » « 7 » .
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، ( 2 / 79 ، 80 ) . ( 2 ) المصدر نفسه ، ( 2 / 71 ، 72 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : ( 97 ) . ( 4 ) سورة يس ، الآية : ( 39 ) . ( 5 ) سورة يس ، الآية : ( 40 ) . ( 6 ) سورة يونس ، الآية : ( 5 ) . ( 7 ) أبو إسحاق الشاطبي ، الموافقات ، ( 2 / 80 ) .