ولا شك لدينا في أن نافع بن الأزرق متعصب في فهمه للآيات على النحو الذي جاء في رسالته هذه ، وهو تعصب بلغ به إلى درجة المغالطة ، وإلا فهو جهل منه بمواقع كلام اللّه ، ومدلول آياته .
مدى فهم الخوارج لنصوص القرآن :
هذا . . وإن الخوارج عندما ينظرون إلى القرآن لا يتعمقون في التأويل ولا يغوصون وراء المعاني الدقيقة ، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن أهداف القرآن وأسراره ، بل يقفون عند حرفية ألفاظه ، وينظرون إلى الآيات نظرة سطحية ، وربما كانت الآية لا تنطبق على ما يقصدون إليه ، ولا تتصل بالموضوع الذي يستدلون بها عليه ، لأنهم فهموا ظاهرا معطلا ، وأخذوا بفهم غير مراد .
ولقد يعجب الإنسان ويدهش عندما يقرأ ما للقوم من سخافات في فهمهم لبعض نصوص القرآن ، أوقعهم فيها التنطع والتمسك بظواهر النصوص ، ولكي لا أتهم بالقسوة في حكمي هذا ، أضع بين يدي القارئ الكريم بعض ما جاء عن القوم ، حتى لا يجد مفرا من الحكم عليهم بمثل ما حكمت به .
( روى أن عبيدة بن هلال اليشكري اتهم بامرأة حداد رأوه يدخل منزله بغير إذنه « فأتوا قطريا « 1 » فذكروا ذلك له ، فقال لهم . إن عبيدة من الدين بحيث علمتم ، ومن الجهاد بحيث رأيتم ، فقالوا : إنا لا نقاره على الفاحشة ، فقال : انصرفوا . . ثم بعث إلى عبيدة فأخبره وقال : إنا لا نقار على الفاحشة ، فقال : بهتوني يا أمير المؤمنين فما ترى ؟ قال : إني جامع بينك وبينهم ؛ فلا تخضع خضوع المذنب ، ولا تتطاول تطاول البرىء . . فجمع بينهم فتكلموا ، فقام عبيدة فقال بسم اللّه الرحمن الرحيم
« إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ : . . . »
الآيات ( 11 وما بعدها من سورة النور ) فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه وقالوا : استغفر لنا . . ففعل « 2 » ) .
هامش
( 1 ) هو قطري بن الفجاءة الزعيم الثالث للأزارقة .
( 2 ) الكامل للمبرد ج 2 ص 236 :