يشذون بها عمن عداهم من بعض فرق الخوارج ، وهي في مظهرها التفسيري أكثر تعصبا ، وأبلغ تعنتا ، فمن ذلك : أن نافع بن الأزرق كان لا يرى جواز التقية التي هي في الأصل من مبادئ الشيعة ، ويستدل على حرمتها بقوله تعالى في الآية ( 77 ) من سورة النساء
« . . . إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ »
ويرى نجدة بن عامر جواز التقية ، ويستدل على ذلك بقوله تعالى في الآية ( 28 ) من سورة غافر
« وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ »
.
وأظهر من هذا : أن نجدة بن عامر كان لا يصوب نافع بن الأزرق فيما يقول به من إكفار القعدة ، واستحلال قتل أطفال مخالفيه ، وعدم رد الأمانات إلى مخالفيه ، وغير ذلك من آرائه التي شذ بها ، فأرسل نجدة إلى نافع رسالة يقول له فيها : ( . . . وأكفرت الذين عذرهم اللّه تعالى في كتابه من قعدة المسلمين وضعفتهم . قال اللّه عز وجل - وقوله الحق ووعده الصدق - :
« لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ »
« 1 » ثم سماهم - تعالى - أحسن الأسماء فقال
« ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ »
« 1 » . ثم استحللت قتل الأطفال وقد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتلهم ، وقال اللّه جل ثناؤه
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى »
« 3 » وقال سبحانه في القعدة خيرا فقال
« وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً »
« 4 » فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة من هو دون المجاهدين . . أو ما سمعت قوله تعالى
« لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ »
« 4 » فجعلهم من المؤمنين ، ثم إنك لا تؤدى الأمانة إلى من خالفك واللّه تعالى قد أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها ، فاتق اللّه في نفسك ؛ واتق يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، فإن اللّه بالمرصاد ، وحكمه العدل ، وقوله الفصل . والسلام ) .
هامش
( 1 ) في الآية ( 91 ) من سورة التوبة .
( 3 ) في الآية ( 164 ) من سورة الأنعام .
( 4 ) في الآية ( 95 ) من سورة النساء .