وما أخرجه أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : « كنت لا أدرى ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر ، فقال أحدهما . أنا فطرتها ، والآخر يقول : أنا ابتدأتها » « 1 » .
فإذا كان عمر بن الخطاب يخفى عليه معنى الأب ومعنى التخوف ، ويسأل عنهما غيره ، وابن عباس - وهو ترجمان القرآن - لا يظهر له معنى فاطر إلا بعد سماعها من غيره فكيف شأن غيرهما من الصحابة ؟ لا شك أن كثيرا منهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجمالي للآية ، فيكفيهم - مثلا - أن يعلموا من قوله تعالى
« وَفاكِهَةً وَأَبًّا »
أنه تعداد للنعم التي أنعم اللّه بها عليهم ، ولا يلزمون أنفسهم بتفهم معنى الآية تفصيلا ما دام المراد واضحا جليا « 2 » .
وما ذا يقول ابن خلدون فيما رواه البخاري ، من أن عدى بن حاتم لم يفهم معنى قوله تعالى :
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ »
« 3 » . وبلغ من أمره أن أخذ عقالا أبيض وعقالا أسود ، فلما كان بعض الليل ، نظر إليهما فلم يستبينا ، فلما أصبح أخبر الرسول بشأنه ، فعرض بقلة فهمه ، وأفهمه المراد « 4 » .
الحق أن الصحابة - رضوان اللّه عليهم أجمعين - كانوا يتفاوتون في القدرة على فهم القرآن وبيان معانيه المرادة منه ، وذلك راجع - كما تقدم - إلى اختلافهم في أدوات الفهم ، فقد كانوا يتفاوتون في العلم بلغتهم ، فمنهم من كان واسع الاطلاع فيها ملما بغريبها ، ومنهم دون ذلك ، ومنهم من كان
هامش
( 1 ) الاتقان ج 2 ص 113 .
( 2 ) انظر ما كتبه الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده عن قصة عمر في سؤاله عن معنى الأب في سورة عم من تفسيره لجزء عم ص 21 .
( 3 ) في الآية ( 187 ) من سورة البقرة .
( 4 ) الحديث عند البخاري في باب التفسير ج 8 ص 127 من فتح الباري .