وأقرب دليل على هذا ما نشاهده اليوم من الكتب المؤلفة على اختلاف لغاتها .
وعجز كثير من أبناء هذه اللغات عن فهم كثير مما جاء فيها بلغتهم ، إذ الفهم لا يتوقف على معرفة اللغة وحدها ، بل لا بد لمن يفتش عن المعاني ويبحث عنها من أن تكون له موهبة عقلية خاصة ، تتناسب مع درجة الكتاب وقوة تأليفه .
تفاوت الصحابة في فهم القرآن :
ولو أننا رجعنا إلى عهد الصحابة لوجدنا أنهم لم يكونوا في درجة واحدة بالنسبة لفهم معاني القرآن ، بل تفاوتت مراتبهم ، وأشكل على بعضهم ما ظهر لبعض آخر منهم ، وهذا يرجع إلى تفاوتهم في القوة العقلية » وتفاوتهم في معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات ، وأكثر من هذا ، أنهم كانوا لا يتساوون في معرفة المعاني التي وضعت لها المفردات ، فمن مفردات القرآن ما خفى معناه على بعض الصحابة ، ولا ضير في هذا ، فإن اللغة لا يحيط بها إلا معصوم ، ولم يدع أحد أن كل فرد من أمة يعرف جميع ألفاظ لغتها .
ومما يشهد لهذا الذي ذهبنا إليه ، ما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن أنس « أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر ( وفاكهة وأبا ) فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها ، فما الأب ؟ . ثم رجع إلى نفسه فقال : إن هذا لهو التكلف يا عمر » « 1 » . وما روى من أن عمر كان على المنبر فقرأ ( أو يأخذهم على تخوف ) ثم سأل عن معنى التخوف ، فقال له رجل من هذيل : التخوف عندنا التنقص ، ثم أنشده :
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا * كما تخوّف عود النبعة السّفن
« 2 »
هامش
( 1 ) الاتقان ج 2 ص 113 .
( 2 ) الموافقات ج 2 ص 87 - 88 . والتامك : السنام . والقرد : الذي تجعد شعره ، فكان كأنه وقاية للسنام . والنبع : شجر للقسى والسهام . والسفن : كل ما ينحت به غيره .