تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
طويل . فالخيال يظل عاكفا على تمثل هذه الحركة العجيبة ، التي لا تتم ولا تقف ما تابعها الخيال ! والصورة التي تخيلها الآية :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
. فالخيال يظل يتصور تلك الحركة الدائبة : حركة الامتداد بماء البحر لكتابة كلمات اللّه ؛ في غير ما توقف ولا انتهاء ، إلا أن ينتهي البحر بالنفاد ! وشبيه بهذه الصورة ما تخيّله للحس هذه الآية :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
. والآية :
وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ
. فلفظة الزحزحة ذاتها تخيل حركتها المعهودة ( وهذا فن خاص سيأتي عنه الكلام ) . وهذه الحركة تخيل الموقف على شفا النار ، ماثلا للخيال والأبصار ! 3 - ولون من ألوان « التخييل » يتمثل في الحركة المتخيلة ، التي تلقيها في النفس بعض التعبيرات مثل :
« وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً »
. وقد سجلنا منها في فصل « التصوير الفني » صورة الهباء المنثور ، التي هي صورة حسية لإضاعة الأعمال . فالآن تلفتنا فيها لفظة « فقدمنا » ذلك أنها تخيل للحس حركة القدوم التي سبقت نثر العمل كالهباء . وهذا التخييل يتوارى بكل تأكيد لو قيل : وجعلنا عملهم هباء منثورا . حيث كانت
التصوير الفني في القرآن — صفحة 76 | سيد قطب