تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
والآن نأخذ في ضرب الأمثال . * * * 1 - لون من ألوان « التخييل » يمكن أن نسميه « التشخيص » يتمثل في خلع الحياة على المواد الجامدة ، والظواهر الطبيعية ، والانفعالات الوجدانية . هذه الحياة التي قد ترتقي فتصبح حياة إنسانية ، تشمل المواد والظواهر والانفعالات ؛ وتهب لهذه الأشياء كلها عواطف آدمية ، وخلجات إنسانية ، تشارك بها الآدميين ، وتأخذ منهم وتعطي ؛ وتتبدى لهم في شتى الملابسات ؛ وتجعلهم يحسون الحياة في كل شيء تقع عليه العين ، أو يتلبس به الحس ، فيأنسون بهذا الوجود أو يرهبونه ، في توفز وحساسية وإرهاف . هذا هو الصبح يتنفس :
« وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
. فيخيّل إليك هذه الحياة الوديعة الهادئة التي تنفرج عنها ثناياه ، وهو يتنفس ، فتتنفس معه الحياة ، ويدب النشاط في الأحياء ، على وجه الأرض والسماء . وهذا هو الليل يسرع في طلب النهار ، فلا يستطيع له دركا :
« يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً »
. ويدور الخيال مع هذه الدورة الدائبة ، التي لا نهاية لها ولا ابتداء . أو هذا هو الليل يسري :
« وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ »
. فتحس سريانه في هذا الكون العريض ، وتأنس بهذا الساري على هينة واتئاد ! وهاتان هما الأرض والسماء عاقلتين ، يوجه إليهما الخطاب ، فتسرعان بالجواب :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً . قالَتا : أَتَيْنا طائِعِينَ
.
التصوير الفني في القرآن — صفحة 73 | سيد قطب