فيوضح معنى الإهمال لا بألفاظ الإهمال ، ولكن برسم الحركات الدالة عليه : لا كلام ، ولا نظر ، ولا تزكية . وإنما عذاب أليم .
* * * وكما يصوّر المعاني المجردة يصوّر الحالات النفسية والمعنوية :
1 - يريد أن يبرز الحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد ، ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد والآلهة المتعددين ، ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال ، فيرسم هذه الصورة المحسّة المتخيّلة :
قُلْ : أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ ، كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ ، حَيْرانَ ، لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى . . ائْتِنا . .
.
فتبرز صورة هذا المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأرض ( ولفظ الاستهواء لفظ مصوّر لمدلوله ) ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه ، فتكون له راحة ذي القصد الموحد - ولو كان في طريق الضلال - ولكن هناك من الجانب الآخر ، إخوان له يدعونه إلى الهدى ، وينادونه : « ائتنا » . وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء « حيران » موزع القلب ، لا يدري أي الفريقين يجيب ، ولا أي الطريقين يسلك ، فهو قائم هناك شاخص متلفت !
2 - ويريد أن يكشف عن حال أولئك الذين يهيئ اللّه لهم المعرفة ، فيفرون منها كأن لم تهيّأ لهم أبدا ؛ ثم يعيشون بعد ذلك هابطين ، تطاردهم أنفسهم وأهواؤهم ، بما علموا وبما جهلوا ؛ فلا هم استراحوا بالغفلة ، ولا هم استراحوا بالمعرفة ، فيرسم لهم هذه الهيئة :