في إدراك الجمال الفني صارت ملكا للكثيرين . فإنها لسعادة روحية أرى أن أفصح عنها تحدثا بنعمة اللّه .
* * * وبهذه المناسبة أرى أن هناك إيضاحا واجبا ينبغي أن يقال ، بعد ما بدأت كلمة « الفن » يساء استخدامها ، أو يساء فهمها ، أو يساء تأويلها في مجال القرآن .
وإني لأعترف بأنني حين اتخذت عنوان : « التصوير الفني في القرآن » لهذا الكتاب منذ سبع سنوات ، لم يكن لها في نفسي إلا مدلول واحد : هو جمال العرض ، وتنسيق الأداء ، وبراعة الإخراج . ولم يجل في خاطري قط أن « الفني » بالقياس إلى القرآن معناه : الملفق ، أو المخترع ، أو القائم على مجرد الخيال ! ذلك أن دراستي الطويلة للقرآن لم يكن فيها ما يلجئني إلى هذا الفهم أو هذا التأويل .
وأنا أجهر بهذه الحقيقة الأخيرة ، وأجهر معها بأنني لم أخضع في هذا لعقيدة دينية تغل فكري عن الفهم ؛ بل دفعني إليها أنني لم أجد مبررا لسواها ؛ وعلى العكس وجدت أن احترام العقل البشري ذاته هو الذي يحتم عليّ ألا أتجاوز به طاقته ، وألا أجدف به في مجاهيل ، ليس عليها لديّ من دليل !
وإني لأعجب لم تنصرف كلمة « الفني » حتما إلى الخيال الملفق ، والابتداع الذي لا يسنده الواقع ، والاختراع الذي يخرج على المعقول ؟
لما ذا ؟
ألا يمكن أن تعرض الحقائق الواقعة عرضا فنيا وعرضا علميّا ؛
التصوير الفني في القرآن — صفحة 255
مساهمون: سيد قطب
ص٢٥٥