تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
ثم تبقى لها في الحالتين صفتها الأساسية من الصدق والواقعية ؟ ألأن « هوميروس » كان يصوغ إلياذته وأوذيسته من الأساطير ؟ ألأن كتاب الرواية والأقصوصة والتمثيلية في أوروبا لم يكونوا يتوخون الوقائع الحقيقية في فنهم الطليق ؟ إن هذا فن . ولكنه ليس الفن كله . فالحقيقة تصلح أن تعرض عرضا فنيا كاملا . وليس من العسير أن نتصور هذا ، متى خلصنا لحظة من « العقلية المترجمة » التي نعيش بها ، ومتى خلصنا تصورنا من النماذج الغربية البحتة ، ونظرنا إلى الاصطلاحات نظرة موضوعية شاملة . إن تحرر العقل لا يستدعي حتما التهجم والتوقع والشطط ، ولنجرد القرآن من كل قداسة دينية ، ثم لننظر إليه كمصدر تاريخي بحت . فما ذا نجد ؟ نجد أننا لا نملك كتابا آخر ، لا أثرا تاريخيّا آخر في تاريخ البشرية كلها ، توافرت له أسباب التحقيق العلمي البحتة ، كما توافرت لهذا الكتاب . وبديهي أننا لا نملك في إثبات صحة الحوادث التي تحدث بها القرآن أو عدم صحتها إلا وسيلتين اثنتين . ولكن واحدة منهما ليست قطعية ، وليس لها من قوة الثبوت ما للقرآن . إحدى الوسيلتين اللتين في أيدينا : الأسانيد التاريخية الأخرى . فإذا نحن جرّدنا القرآن من قداسته - كما قلت - فإنه ككتاب تاريخي ، يكون أقوى إسنادا من الوجهة العلمية البحتة من كل مرجع تاريخي آخر في الوجود . . . راوي هذا الكتاب هو « محمد ابن عبد اللّه » وهو رجل يعترف خصومة قديما وحديثا بأنه رجل صادق ، ولا يشذ على هذا إلا شذاذ أفاكون متعصبون ! وقد
التصوير الفني في القرآن — صفحة 256 | سيد قطب