تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها »
.
« وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ »
.
« وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ »
. إنما هي صورة تخييلية مدهشة . وإن الخيال ليرود آفاق الدنيا كلها ، ومجاهلها جميعا ، ليتتبع هذه الأوراق الساقطة ، وتلك الحبات المخبوءة المشمولة في مجاهلها ومخابئها بعلم اللّه ، ثم يرتد إلى النفس ، فيغمرها بالجلال والخشوع ، ويتوجه بها إلى اللّه الذي يشمل بعلمه هذه المجاهل والآفاق .
* * * ذلك هو المنطق الوجداني ، والجدل التصويري . فأين منه ذلك الجدل الذهني الذي ظل علماء الكلام يبدءون فيه ويعيدون قرونا من الزمان ؟
نضرب هنا مثلا واحدا من الجدل الذهني الذي عزف عنه القرآن . ذلك حين قال :
« إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ »
أو ما هو مثلها في المعنى . فوجد المشركون من العرب في هذا مجالا لجدل ذهني رخيص ظنوا أنهم يحرجون به محمدا مع أهل الكتاب . قالوا : وعيسى ابن مريم ؟ هؤلاء جماعة من قومه يؤلّهونه . أيدخل جهنم هو الآخر ؟
فكان الرد الحكيم :
« ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا . بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ »
.
فهذا مثل من المنطق الذهني . صحيح من وجهة قواعد المنطق .
ولكن أين هو من المنطق السليم ، ومن الحقيقة الطبيعية البسيطة ؟
لم يكن المنطق الذهني ليصل إلى شيء لو اتبعه القرآن ؛ لا لأن ما فيه من حقائق لا تثبت لهذا المنطق ؛ ولكن لأن العقيدة لا ينشئها هذا الجدل . إنها دائما في أفق أعلى من هذه الآفاق . وما