وهكذا يوقع هذا التصوير والتخييل في النفس ، تلك الرهبة التي تحسها أمام المجهول ، وتلك اللذة التي تستشعرها وهي تجول في ذلك العالم الخفيّ حيث :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ . .
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
وحيث :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
.
وقد لا يكون الغيب هكذا بعيدا . لقد يكون محسوسا ، ولكنه مجهول ؛ فهو كذلك يلمس الوجدان ، ويثبت القدرة الكونية ، ويملأ النفس بالإيمان :
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ . هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
.
فهذا دليل العلم بكل خفيّ . وهو دليل وجداني واقع ، لا يكد الذهن في فهمه وتخريجه .
ومثل هذا في محيط أوسع . وبتصوير أروع :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ . لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ . وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ ، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
.
ففي هذه الكلمات القلائل ، تعبير قوي رهيب عن شمول علم الإله ، مختار له أفضل الألفاظ المعبّرة ، والعبارات المصوّرة .
فليس مجرّد تعبير عن معنى العلم الدقيق الشامل أن يقال :
« وَما