تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
فلندع الذهن يدبر أمر الحياة اليومية الواقعة ، أو يتناول من المسائل ما هو بسبب من هذه الحياة . فأما العقيدة ، فهي في أفقها العالي هناك ، لا يرقى إليه إلا من يسلك سبيل البداهة ، ويهتدي بهدي البصيرة ، ويفتح حسه وقلبه ، لتلقي الأصداء والأضواء . ولقد آمن بالبداهة والبصيرة - وما زال يؤمن - العدد الأكبر من المؤمنين بكل دين وعقيدة في الوجود ؛ ولقد ظلّ علماء الكلام في الإسلام قرونا كثيرة ، يبدءون ويعيدون في الجدل الذهني حول مباحث التوحيد ، فلم يبلغوا بذلك شيئا مما بلغه المنطق القرآني في بضع سنين . فلننظر الآن في هذا المنطق البديهي الميسور . * * * لقد عمد القرآن دائما إلى لمس البداهة ، وإيقاظ الإحساس ، لينفذ منهما مباشرة إلى البصيرة ، ويتخطاهما إلى الوجدان . وكانت مادته هي المشاهد المحسوسة ، والحوادث المنظورة ، أو المشاهد المشخصة ، والمصائر المصوّرة . كما كانت مادته هي الحقائق البديهية الخالدة ، التي تتفتح لها البصيرة المستنيرة ، وتدركها الفطرة المستقيمة . أما طريقته فكانت هي الطريقة العامة : طريقة التصوير والتشخيص ، بالتخييل والتجسيم . على النحو الذي فصّلناه في الفصول الماضية جميعا . ( ونحن نستخدم هنا كلمة التجسيم بمعناها الفني لا بمعناها الديني بطبيعة الحال . إذ الإسلام هو دين التجريد والتنزيه ) . كان هذا هو المنطق الوجداني الذي جادل به القرآن وناضل ، وكسب المعركة في النهاية .