1 - من النماذج الإنسانية التي تصور الجنس كله :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ ، دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ؛ فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ
!
تجتمع لهذا النموذج السريع كل عناصر الصدق النفسي ، والتناسق الفني . فالإنسان هكذا حقّا : حين يمسّه الضر ، وتتعطل فيه دفعة الحياة ، يتلفت إلى الخلف ، ويتذكر القوّة الكبرى ، ويلجأ عندئذ إليها ؛ فإذا انكشف الضر ، وزالت عوائق الحياة ، انطلقت الحيوية الدافعة في كيانه ، وهاجت دواعي الحياة فيه ، فلبّى دعاءها المستجاب ، و « مرّ » كأن لم يكن بالأمس شيء !
إن الحياة قوة دافعة إلى الأمام ، لا تلتفت أبدا إلى الوراء ، إلا حين يعوقها حاجز عن الجريان .
وأما التناسق الفني فيها فهو في تلك الإطالة في صور الدعوة عند الضر :
« دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً »
ثم في ذلك الإسراع عند كشف الضر :
« مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ »
. إن هاتين الصورتين تمثلان بالضبط وقوف التيار عن الجريان أمام الحاجز القوي ، فقد يطول هذا الوقوف ويطول ؛ فإذا فتح الحاجز تدفق التيار في سرعة ، و « مرّ » كأن لم يقف قبل أصلا .
يرسم هذا النموذج مرات كثيرة في القرآن ، ولكنه يرسم من جوانب مختلفة ، تلتقي عند النقطة الأساسية ، ثم تسير في طرائق شتى . ذلك مثل :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ، وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً
أو
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ، ثُمَّ نَزَعْناها