والآن لقد ردّ الرسل بهديتهم ، فلندعهم في الطريق قافلين .
إن سليمان النبي لملك ، وإنه كذلك لرجل . وإن « الملك » ليدرك من تجاربه أن هذا الرد العنيف سينهي الأمر مع ملكة لا تريد العداء - كما يبدو من هديتها له - وأنها ستجيب دعوته على وجه الترجيح ، بل التحقيق ، وهنا يستيقظ « الرجل » الذي يريد أن يبهر « المرأة » بقوته وبسلطانه ( وسليمان هو ابن داود صاحب التسع والتسعين نعجة الذي فتن في نعجة واحدة ) « 1 » . فها هو ذا يريد أن يأتي بعرش الملكة قبل أن تجيء . وأن يمهد لها الصرح من قوارير ( وإن كانت القصة تبقي الصرح سرّا - حتى عنا نحن النظارة - لتفاجئنا به مع بلقيس في المشهد الأخير ) :
قالَ : يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا . أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها ، قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ؛ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ ؛ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
.
ولكن الأهداف الدينية لا تريد أن يكون للجن قوّة ، ولو كانوا من جن سليمان . فها هو ذا رجل من المؤمنين - عنده علم من الكتاب - تفوق قوته قوة ذلك العفريت !
هامش
( 1 ) في قصة داود في القرآن إشارة إلى فتنته بامرأة - مع كثرة نسائه - فأرسل اللّه إليه ملكين يتخاصمان عنده« إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا : لا تَخَفْ . خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ . إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ : أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ . قالَ :لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ . . . ! ». . . وعرف داود أنها الفتنة« فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ».