تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصوير الفني في القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
مفاجأة عنيفة تنقل تصوراتها نقلة بعيدة ، ولكنها بسبب مما هي فيه أيضا :
« فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ، فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . قالَتْ : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا »
إنها انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها ، فتلجأ إلى استثارة التقوى في نفسه :
« إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا »
! ولئن كنا نحن نعلم أنه « الروح الأمين » فإنها هي لا تعلم إلا أنه رجل . وهنا يتمثل الخيال تلك الفتاة الطيبة البريئة ، ذات التقاليد العائلية الصالحة ، وقد تربّت تربية دينية وكفلها « زكريا » بعد أن نذرت للّه جنينا . . هذه هي الهزة الأولى .
قالَ : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
. ثم ليتمثل الخيال مرة أخرى مقدار الفزع والخجل ، وهذا الرجل الغريب - الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها ، فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها - يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول ، وهو أنه يريد أن يهب لها غلاما . وهما في خلوة وحدهما . وهذه هي الهزة الثانية . ثم تدركها شجاعة الأنثى تدافع عن عرضها :
قالَتْ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ، وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
. هكذا . صراحة ، وبالألفاظ المكشوفة . فهي والرجل في خلوة ، والغرض من مباغتته لها قد صار مكشوفا - فما تعرف هي بعد كيف يهب لها غلاما ، وما يخفف من روع الموقف أن يقول لها :
« إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ »
فقد تكون هذه خدعة فاتك كما قلنا - فالحياء إذن ليس يجدي ، والصراحة هنا أولى .