وهذه هي الهزة الرابعة . والمفاجأة العظمى . وإنا لا نكاد نحن - لا مريم - نهبّ على الأقدام وثبا ، روعة من هذه الهزة وعجبا :
طفل ولد للحظة ، يناديها من تحتها ، ويمهد لها مصاعبها ، ويهيئ لها طعامها . الا إنها الهزة الكبرى !
ونحسبها قد دهشت طويلا ، وبهتت طويلا ، قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة تهزه ليساقط عليها رطبا جنيّا - لتتأكد على الأقل ، ويطمئن قلبها لما تواجه به أهلها - ولكن هنا فجوة تترك للخيال أن يقيم عندها قنطرة ، ويعبرها . . .
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ
!
فلتطمئن الآن مريم ، ولتنتقل الهزات النفسية إلى سواها .
قالُوا : يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا . يا أُخْتَ هارُونَ ! ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا !
.
إن الهزة لتطلق ألسنتهم بالسخر والتهكم على « أخت هارون » ! وفي تذكيرها بهذه الأخوة ما فيه من مفارقة ، فهذه حادثة في هذا البيت لا سابقة لها
ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
.
« فأشارت إليه » . ويبدو أنها كانت مطمئنة لتكرار المعجزة هنا ؛ أما هم فما عسى أن نقول في العجب الذي يساورهم ، والسخرية التي تجيش بها نفوسهم ، وهم يرون عذراء تواجههم بطفل ، ثم تتبجح فتشير إليه ليسألوه عن سرها :
« قالُوا : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ؟ »
.
ولكن ها هي ذي المعجزة المرتقبة :