ثم نرقى إلى أفق آخر من آفاق التناسق الفني ، في التصوير القرآني .
إن التناسق إلى هنا كان في الصورة أو المشهد ، وكان على أتمه وأوفاه في الجزئيات وفي الجو العام . ولكن الإبداع المعجز لا يقف هنا . إنه في بعض الأحيان يضع إطارا للصورة ، أو نطاقا للمشهد ، فينسق الإطار والنطاق مع الصورة والمشهد ، ثم يطلق من حولهما الإيقاع الموسيقى الذي يناسب هذا كله ، فيبلغ من ذلك ما يعبر عنه النموذج :
1 -
وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى . أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى . فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
.
لقد أطلق التعبير جوّا من الحنان اللطيف ، والرحمة الوديعة ، والرضاء الشامل ، والشجى الشفيف :
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »
ثم :
« أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ؟ »
. ذلك الحنان ، وتلك الرحمة ، وذاك الرضاء ، وهذا الشجى تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة ، الرقيق اللفظ ؛ ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير ، الموسيقى الرتيبة الحركات ، الوئيدة الخطوات ، الرقيقة الأصداء ، الشجية الإيقاع . .
فلما أراد إطارا لهذا الحنان اللطيف ، ولهذه الرحمة الوديعة ، ولهذا