وأغنيتموه عن مسند الحي حمير * وما زبرت في الصحف أقلام حميرا
وإنما قال : أتاكم بخط الجزم ، كما قال عوانة : بخطنا هذا وهو الجزم ، لأن الكوفي كان قبل وجود الكوفي يسمى الجزم ، لكونه جزم أي اقتطع وولد من المسند الحميري كما في الاقتضاب شرح البطليوسي على أدب الكاتب .
والذي اقتطعته مرامر وصاحباه علي ما مرّ عن المزهر ، وقال السيوطي أيضا في المزهر : وكان ممن اشتهر بالكتابة من عظماء الصحابة الفاروق عمر وعثمان وعلي وطلحة وأبو عبيدة من المهاجرين وأبي بن كعب وزيد بن ثابت من الأنصار . اه وأما المدينة المنورة بأنوار ساكنها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام فلم تكثر الكتابة العربية فيها إلا بعد الهجرة بأكثر من سنة .
وذلك أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم في غزوة بدر السنة الثانية من الهجرة جعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال ، وعلى كل من عجز عن الافتداء بالمال أن يعلم الكتابة لعشرة من صبيان المدينة فلا يطلقونه إلا بعد تعليمهم .
فبذلك كثرت فيها الكتابة وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام في حياته عليه الصلاة والسلام وبعده كما في السيرة .
والذين كتبوا من الصحابة كانوا الغاية القصوى في الحذق بالهجاء .
وقد أخطأ من قال : لم تكن العرب أهل كتابة ففي هجائهم ضعف وقوله صلى الله عليه وسلم : « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » إخبار عن المبدأ والغالب .
فائدتان :
الأولى :
كان النبي صلى الله عليه وسلم أميّا لكن لا بالمعنى الشرعي بل بالمعنى اللغوي وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب قال - تعالى - :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
، وقال - تعالى - أيضا :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
، وقال صلى الله عليه وسلم : « نحن أمية أمية لا نكتب ولا نحسب »