القرآن ؟ وتلك نعمة يمنها القرآن على سائر الكتب والرسل ، وما صح من الأديان كافة ، قال تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . .
« 1 » الآية . وقال عز اسمه :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . .
« 2 »
الآية . .
لهذا لم تكن معجزة سيد الأنبياء معجزة حسية . تقرع الحسّ وتستولي على النفوس ، فلم تكن عصا تنقلب حيّة كعصا موسى ، أو نارا تصير بردا وسلاما كالنار التي ألقى فيها الخليل ، أو ناقة تخرج من صخر أصم ولها رغاء كناقة صالح ، أو مريضا يشفى ، أو أعمى يبرأ كما فعل عيسى عليه السلام ، وإنما كانت معجزة « عقلية خالدة » لأنها خاتمة الرسالات ، فهي خالدة خلود الدهر ، باقية بقاء الإنسان . .
يقول الشيخ ( محمد البنا ) ما نصه : وإذا كان قد جرت خوارق للعادات على يد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم غير القرآن كما ورد في صحاح السنة فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يتحدّ بها ، بل كان التحدي بالقرآن وحده ، ولهذا كان القرآن معجزة الرسول التي تؤيد رسالته ، وتشرق في قلوب الذين اتبعوه من المؤمنين . .
ورسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلم شاملة خالدة لأنها خاتمة الرسالات فكانت الحكمة أن تتفق معجزته من نوع رسالته ، إذ كل نبي سبق كان يأتي برسالة لقوم بأعيانهم وتنتهي بما يأتي بعدها من الرسالات ، ولم يكن من الممكن أن تكون معجزة خاتم الأنبياء أمرا حسيا يراه جماعة حين يقع ، فإذا لحق الرسول بالرفيق الأعلى انقضى ذلك الأمر المحسوس ولا يراه أحد من بعده ، لأن الأمور المحسوسة لا تتفق مع نوع هذه الرسالة ولا مع خلودها ، لقد كان ، القرآن معجزة للناس جميعا ، ولذلك جاء من نوع آخر غير نوع المعجزات السابقة ، وقد جاء للدنيا بعد أن اكتملت المدارك البشرية ، وارتقى الفكر الانساني ، لأن رسالة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وافت البشرية بعد أن أدركت رشدها
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 48 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 285 . أنظر مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 232 .