على الزمان ، ليراها ذوو القلوب والبصائر ، فيستنيروا بضيائها وينتفعوا بهديها في المستقبل والحاضر ، فقد ورد عن سيد المرسلين أنه قال : .
« ما من نبي من الأنبياء إلّا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » رواه البخاري . .
أجل . . هذا الوحي السماوي الذي ألقاه اللّه على قلب نبيّه الأمين ليكون ضياء ورحمة للعالمين ، هو معجزة الإسلام الخالدة ، وحجته الباقية ، تقوم على فم الدنيا شاهدة بصدق الرسول ، ناطقة بعظمة الإسلام وخلود هذا الدين ، بينما ذهبت المعجزات الحسيّة ، ومضت مع أحداثها الكونيّة ، وتلاشت من الوجود بعد وفاة الأنبياء الكرام الذين أتوا بها ، فلم يعد لها وجود وبيان إلّا في هذا القرآن الذي أخبر عنها ، فكان له الفضل الأعظم عليها سابقا ولاحقا ، وللّه در القائل حيث يقول :
( جاء النبيّون بالآيات فانصرمت * وجئتنا بكتاب غير منصرم )
( آياته كلّما طال المدى جدد * يزينهن جمال العنق والقدم )
الآيات : المراد بها المعجزات جمع آية بمعنى المعجزة . انصرمت : أي ذهبت بذهابهم . .
قال العلامة الزرقاني : ( وهنا نلفت النظر إلى أن القرآن بما اشتمل عليه من المعجزات الكثيرة ، قد كتب له الخلود فلم يذهب بذهاب الأيام ، ولم يمت بموت الرسول عليه الصلاة والسلام ، بل هو قائم على فم الدنيا يحاج كل مكذب ، ويتحدى كل منكر ، ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من هداية الإسلام وسعادة بني الإنسان .
ومن هذا يظهر الفرق جليا بين معجزات نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه وسلم ومعجزات إخوانه الأنبياء عليهم أزكى الصلاة وأتم التسليم ، فمعجزات محمد في القرآن وحده آلاف مؤلفة ، وهي متمتعة بالبقاء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها ، أمّا معجزات سائر الرسل فمحدودة العدد ، قصيرة الأمد ، ذهبت بذهاب زمانهم ، وماتت بموتهم ، ومن يطلبها الآن لا يجدها إلا في خبر كان ، ولا يسلم شاهد له بها إلا هذا