تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
أنبياء مرسلون من عند اللّه العزيز القدير ، وقد خصّ اللّه تبارك وتعالى نبينا صلّى اللّه عليه وسلم بالمعجزة العظمى ( القرآن الكريم ) ذلك النور الرباني ، والوحي السماوي ، الذي ألقاه على قلب نبيه قرآنا عربيا غير ذي عوج ، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار ، والذي أحيا به أجيالا من العدم ، كانت في عداد الموتى فأحياها اللّه بنور هذا القرآن ، وهداها أقوم طريق وانتشلها من الحضيض فجعلها خير أمة أخرجت للناس ، وصدق اللّه حيث يقول :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ؟ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 1 » لقد أحيا القرآن أمما ، وأوجد مجتمعا ، وألّف جبلا لم يعرف له التاريخ مثيلا ، فأخرج من العرب الذين كانوا رعاة الإبل والغنم ، سادة الشعوب والأمم ، فملّكهم الدنيا حتى حكموا أقاصي المعمورة وكل ذلك بفضل هذا القرآن ، معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين . وفي ذلك يقول أمير الشعراء :
( أخوك عيسى دعا ميتا فقام له * وأنت أحييت أجيالا من العدم
ولئن كانت معجزة الأنبياء السابقين معجزات « حسيّة » تتناسب مع العصر والزمان الذي بعثوا فيه ، كمعجزة ( موسى ) عليه السلام حيث كانت ( اليد والعصا ) لأنه بعث في زمن كثر فيه السحرة واشتهر فيه السحر ، وكذلك معجزة ( عيسى ) عليه السلام حيث كانت بإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه « 2 » والأبرص ، والإخبار عن بعض المغيبات ، لأنه بعث في عصر كثر فيه الطب والحكمة ، وظهر فيه الأطباء البارعون ، فأتاهم عيسى بن مريم بما أدهشهم وأعجزهم من شفاء المرضى ، وإحياء الموتى ، وإبراء العمي البكم الصم . أقول : إذا كانت معجزات الأنبياء السابقين معجزات ( مادية حسيّة ) فإن معجزة محمد بن عبد اللّه معجزة ( روحية عقلية ) وقد خصّه اللّه بالقرآن معجزة العقل الباقي
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 122 . ( 2 ) الأكمه : الأعمى . قال تعالى :وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ.