تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في علوم القرآن — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
« 1 » ولو أن القرآن نزل جملة واحدة لما أمكن التنبيه على الخطأ في حينه ، إذ كيف يتصور ان تنزل الآيات في شأن المؤمنين واغترارهم ولم تحدث بعد تلك الواقعة أو الغزوة ؟ وكذلك الحال في اخذ الفداء من الأسرى في ( بدر ) حيث نزل التوجيه السماوي الرائع
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . .
« 2 » الآية . أما الحكمة السادسة : فهي ( الإرشاد إلى مصدر القرآن الكريم وأنه تنزيل الحكيم الحميد ) وفي هذه الحكمة الجليلة يجدر بنا أن ننقل نصّ ما كتبه العالم الفاضل الشيخ ( محمد عبد العظيم الزرقاني ) في كتابه : مناهل العرفان حيث جاء برائع البيان فقال رحمه اللّه تعالى : ( الإرشاد إلى مصدر القرآن ، وأنه كلام اللّه وحده ، وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا كلام مخلوق سواه . . ) . وبيان ذلك : أن القرآن الكريم نقرؤه من أوله إلى آخره فإذا هو محكم السرد ، دقيق السبك ، متين الأسلوب ، قويّ الاتصال ، آخذ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله ، يجري دم الإعجاز فيه كلّه من ألفه إلى يائه ، كأنه سبيكة واحدة ، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل ، كأنه سمط وحيد ، وعقد فريد ، يأخذ بالأبصار ، نظّمت حروفه وكلماته ، ونسّقت جمله وآياته . . وهنا نتساءل : كيف اتسق للقرآن هذا التأليف المعجز ؟ وكيف استقام له هذا التناسق المدهش ؟ على حين أنّه لم يتنزّل جملة واحدة ، بل تنزّل آحادا مفرّقة تفرّق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاما ! ! الجواب : أننا نلمح هنا سرا جديدا من أسرار الإعجاز ، ونشهد سمة فذّة من سمات الربوبية ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديّان
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 3 » ؟ وإلّا فحدّثني بربك كيف
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 25 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 67 . ( 3 ) سورة النساء ، الآية : 82 .