مثلا ( حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ) وهو ما هو في روعته وبلاغته وطهره وسموّه ، لقد قاله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مناسبات مختلفة ، لدواع متباينة ، في أزمات متطاولة ، فهل في مكنتك ومكنة البشر معك أن ينظموا من هذا السرد الشتيت وحده ، كتابا واحدا يصقله الاسترسال والوحدة ، من غير أن ينقصوا منه ، أو يتزيدوا عليه ، أو يتصرفوا فيه ؟ ؟
ذلك ما لن يكون ، ولا يمكن أن يكون ، ومن حاول ذلك فإنما يحاول العبث ، ويخرج للناس بثوب مرقّع ، وكلام ملفّق ، ينقصه الترابط والانسجام ، ويعوزه الوحدة والاسترسال ، وتمجّه الأسماع والأفهام . إذن : فالقرآن الكريم ينطق نزوله منجما بأنه كلام اللّه وحده ، وتلك حكمة جليلة الشأن ، تدلّ الخلق على الحق في مصدر القرآن ! !
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
« 1 » ! !
كيف تلقّى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن ؟
تلقى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن بواسطة أمين الوحي ( جبريل ) عليه السلام ، و ( جبريل ) تلقاه عن ربّ العزّة جلّ جلاله ، وليس لجبريل الأمين سوى تبليغ كلام اللّه وإيحائه للرسول صلّى اللّه عليه وسلم . . فاللّه جلّت حكمته قد أنزل كتابه المقدس على خاتم أنبيائه بواسطة ( أمين الوحي ) جبريل ، وعلّمه جبريل للرسول ، وبلّغه الرسول لأمته ، وقد وصف اللّه ( جبريل ) عليه السلام بأنه أمين على الوحي ، يبلّغه كما سمعه عن اللّه تعالى
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
« 2 » وقال تعالى في وصفه أيضا :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
« 3 » أمّا حقيقة الكلام ، وحقيقة المنزل فإنما هو كلام اللّه ، وتنزيل رب العالمين ، كما قال تعالى
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
« 4 » وقد كان
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 6 . أنظر مناهل العرفان : 1 / 54 .
( 2 ) سورة التكوير ، الآيات : 19 - 21 .
( 3 ) سورة الشعراء ، الآيتان : 193 - 194 .
( 4 ) سورة النمل ، الآية : 6 .